الفصل الثاني
الدعوة الإسلامية بين الغربة الأولى والتمكين
قبل خوض غمار هذا الكتاب، وقبل الوقوف على بعض ملامح ومعالم طريق الدعوة والتمكين، لا بد لنا من البصيرة أولا بالتاريخ الماضي، تاريخ صدر الإسلام، وما كان فيه من وقائع وأحداث، حتى يتبين لنا كيف بدأت دعوة هذا الدين مسيرتها في التاريخ، وكيف مكن الله تعالى لهذه الأمة في تلك الحقبة الشديدة حقًا، وكيف كتب الله لها النصر والظفر بحركة ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
لأن الإسلام بطبيعته يمر بين مرحلتين من الغربة في بداية ظهوره وأول أمره، وبين عودته للقيادة والريادة في آخر الزمان، كما جاء في الحديث المعروف المحفوظ عند الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ". وقد بينت أحاديث أخرى صفات أهل الغربة الثانية منها: أنهم يصلحون إذا فسد الناس، ويصلحون ما أفسده الناس، فهم بهذا الصالحون المصلحون، الذين يتلمسون خطى منهاج النبوة الأولى، في محاولة صادقة منهم بإعادة الناس إلى أول أمرهم.
وقد جاءت كتب السيرة والسنة والتاريخ بذلك، فالغربة الأولى للإسلام قد محيت ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم والتمكين له ولأصحابه رضي الله عنهم،