ولئن كان الإيمان واحدا لدى جميع الأنبياء والرسل، فإن الشريعة الإسلامية في القرآن الكريم ناسخة لكل الشرائع السابقة التي كانت حقا في زمانها ثم حُرفت ونُسخت بما نزل بعدها، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} الأعراف 157، وقال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} المائدة 48، وقال صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ما حَلَّ لَهُ إلاّ أَنْ يَتْبَعَنِي) .
لذلك كان الإيمان بالأنبياء والرسل السابقين كلهم مجملا لا يبيح لنا اتباع شرائعهم، وكان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم مفصلا وملزما، وهو لمن بلغته دعوته المدخل الوحيد إلى الحق والنجاة وسعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} آل عمران 31.
هذه الدعوة المباركة التي أُمِرَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بأن يوجهوها لغيرهم من الكفار، هي الفيصل بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، والمخاطبون بها بين أمرين: قبول أورفض، قبول ينضمون به إلى ركب الإيمان وأمة الإحسان، أو رفض يركسهم في الضلال والهلاك: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا} فإن آمنوا مثل إيمانكم وصدقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا ورشدوا، {وَّإِن تَوَلَّوْا} إن أعرضوا عن دعوة الإيمان التي وجهت لهم {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} فذلك دليل اختيارهم الكفر والمحاربة والكيد، وإصرارهم على الشقاق، والشقاق لغة هو غلبة العداوةِ والمخالفة، من فعل"شاقَّهُ مُشاقَّةَ وشِقاقًا": خالفه وعاداه ونازعه، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الأنفال 13، وهم في معاداتهم وإصرارهم على الكفر والمخالفة، لن ينالوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته وقد قال له ربه عز وجل: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ} ، سيكفيه شرهم جميعا، يهودا ونصارى ومشركين، وينصره عليهم ويُظْفِرُه بهم، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ، سميع لأقوال معسكري الإيمان والكفر في السر والعلن، عليم بأحوالهم ومآل تصرفاتهم، وهذه الآية الكريمة تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، وصرف له عن الاهتمام بأمر من تولى، إلى ما هو أجدى وأرضى.
ثم عقب تعالى على هذه الدعوة للاجتماع حول عقيدة التوحيد الإبراهيمي المحمدي بوصف جامع مانع فقال: {صِبْغَةَ اللّهِ} ، أي أن هذا الدين هو السواء الذي خلق عليه الإنسان فليلزمه، والتقويم الأحسن الذي برأه الله عليه فليحافظ عليه، والفطرة الأولى التي أنشئ عليها فليتمسك بها، والصباغ الأول الذي صبغ به فؤاده، واللون الأصلي الذي أعطيته روحه، قبل أن تجتاله الشياطين وتستدرجه للشر ودركات الكفر، ومهاوي السافلين الهالكين قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} التين 4/ 5، وقال: {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر} النور 21، لقد خلق الله الإنسان على أحسن تقويم وأجمل فطرة وأسلم صبغة وَمَنْ