أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً لا يستطيع أحد الإتيان بمثلها أو أحسن منها، لأنها من الخالق الواحد القادر المقتدر، وهي العبادة المقبولة التي من أجلها خلق الإنسان {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} ، إن صبغة الله تعالى هي ملة إبراهيم ودين محمد عليهما الصلاة والسلام، هي سلامة الاعتقاد وحسن العمل: {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ، {الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ} الرعد 29.
لقد تميز بهده الآيات الكريمة معسكران، معسكر لا كفر فيه لمن اعتصم بالإيمان شرائط وأركانا، واختار ولاية الله على ولاية غيره، ومعسكر كفر شاق الله واختار ولاية أعدائه، فتمت بذلك المفاصلة العقدية بما يستتبعها من معاملات وما ينتج عنها من حقوق وواجبات، ولهذا المعنى نظائر في آيات كثيرة من القرآن الكريم، قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة 257، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الممتحنة 1، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} التوبة، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} النساء 144.
لكن هذا الولاء المخصوص لله ورسوله والمؤمنين لا يبيح إهمال شأن معسكر الكفر وترك دعوته إلى الحق بما تقتضيه الحكمة والكلمة الطيبة والمصابرة الهادئة اللينة، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} النحل 125.
إلا أن نجاح هذا الأسلوب في الإرشاد والدعوة واستنقاذ الناس من الضلال رهن بما يتوفر في الداعية من صفات. وأولى هذه الصفات بعد العلم وقبله، الولاء الحق لله تعالى وحده لا شريك له، واستقلال القلب والعقل والجيب، لأن المرء إذا تحكم في عقله وقلبه وجيبه غير الله، أثر ذلك في أعماله وتصرفاته وأقواله فكَيَّفَ دعوته بما لا يُغضب مَنْ مَلَك عقلَه أو قلبه أو جيبه، لذلك لم يفلح موظفو الحكومات الإسلامية في العالم الإسلامي أئمة ووعاظا ودعاة إلا في خدمة الأجهزة الرسمية، وتنفيذ التعليمات.
وثاني شروط نجاح الدعوة استعلاء الداعية بإيمانه من غير غرور أو استكبار، ولا يكون ذلك إلا بأن يخاطب الناس من موقع قوة، اعتزازا بدينه واستغناء بربه وثقة به، إذ حاله عند ممارسة الدعوة أبلغ من مقاله، وخطابه الحر المتميز أزكى من ماله ونواله، وانعدام هذا الشرط هو ما يعيب نشاطا رسميا لبعض حكومات المسلمين في عصرنا أسموه حوارا للأديان، وظفوه من موقع ضعف وتمزق صف، لخدمة أهداف سياسية تافهة، متسولين بأبواب الدول القوية الطاغية،