فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 523

وفي ردهات بيعها وكنائسها، تلفح وجوههم نار الذلة والمسكنة، فلم يكسبوا من نشاطهم هذا مقدار ما ضاع من مروءتهم ودينهم.

إن أسلوب استعراض محاسن الإسلام وما يماثلها في الأديان الأخرى يهودية ونصرانية ووثنية، تزلفًا من موقع ضعف وتسولِ ودٍّ وقربى، ومداهنةً للملل المنحرفة واسترضاءً ومماكسةً لها بتقليم الأحكام الشرعية وبترها وإساءة تأويلها، وسعيا لكسب صداقة مراكز القوة العالمية الكافرة والأمن من عدوانيتها، بدل بناء القوة الذاتية والاحتماء بها، ومخاطبة الغير من خلالها، لم يكن في يوم من الأيام أو سنة من السنن مما أرشدنا إليه الوحي، أو عمل به الراشدون من الصحابة والتابعين، أو العلماء الأسوياء الحكماء من كل عصر ومصر، ولم يكن كذلك غراسا يرجى له ثمر، أو حرثا للدنيا أو الآخرة يؤمل منه خير أو يقضى به وطر.

لقد عرفت الساحة الإسلامية هذا الأسلوب الخائر منذ تهاوت حصون الأمة تحت ضربات الغزو الاستعماري عسكريا وثقافيا، واستنبتت في مختلف أقطارها محاضن فساد عقدي وإفساد أخلاقي، تحت شعار مموه ظاهره اللطف وباطنه المكر الخبيث، شعار وحدة الإنسانية بتوحيد الأديان، وإزالة الخلاف العقدي بين الناس، و إسقاط الفوارق بين المجتمعات، على أساس الاعتراف بعقائدهم وصحتها، وأنشئت لذلك في مجتمعات المسلمين جمعيات ومنظمات سرية وعلنية، ماسونية وبهائية ونوادي فنية وأدبية وترفيهية، استدرج لها سذاجة وغفلة نخب من أعيان المجتمع المسلم وعلمائه، فألقت هذه النبتة الخبيثة بجذورها وأنشبت اظفارها، وعاثت في المسلمين فسادا.

وفي عصرنا هذا وقد انبعثت الأمة الإسلامية من سباتها وسعت لاستعادة مناعتها، تطورت دعوة توحيد الأديان فصارت دعوة لحوار الاديان بين حكومات مسلمة ضعيفة خائرة همها البقاء في السلطة، وديدان قراء همهم بطونهم وجيوبهم، وبين حكومات استعمارية طاغية، غايتها السيطرة على عقول الأمة وقلوبها وثرواتها، واستحدثت لهذه الغاية مؤتمرات إقليمية وعالمية، وندوات مفتوحة ومغلقة، فلم تثمر إلا مزيد ذل للمسلمين، واستكانة وانبطاح لحكامهم.

إن منظمات حوار الأديان التي استحدثت، حتى لو رأى البعض ضرورة المساهمة فيها، ينبغي ألا تكون مشاركة المسلم فيها إلا من خلال مبادئ دينه، والدعوة إلى الكتاب والسنة عقيدة وشريعة ونهج حياة، هذا هو الأسلوب الجائز شرعا، المستساغ عقلا وحكمة، المنتج لآثاره في الدنيا والآخرة، وما سوى ذلك إضاعة جهد ومال وكرامة.

ولئن أُمِر المسلمون بالدعوة إلى سبيل الله وصراطه المستقيم بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، فإن هذا الأمر لا يقتضي أن نساوم على ديننا ونماكس في تعاليمه وأحكامه ونقلم أظافره ونوهن مراكز القوة فيه، فما عندنا هو الحق الذي ندعو له، وما عند الكفار هو الباطل الذي ننهى عنه، والحكمة والرفق واللين مما يتميز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت