به نهجنا في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، وحواره مع الملل والنحل والأديان محفوظ ومدون، ذكرت كتب السيرة نماذج منه واضحة الدلالة، نورد منها مثلين:
أولهما حواره صلى الله عليه وسلم مع وفد نصارى نجران، وقد زاروه بعد الهجرة في ستين راكبًا، دخلوا المسجد النبوي، عليهم خيار الملابس، وفي أيديهم خواتم الذهب، ومعهم هدية هي بسط فيها تماثيل ومسوح، فصار الناس ينظرون للتماثيل فقال صلى الله عليه وسلم: أما هذه البسط فلا حاجة لي فيها، وأما هذه المسوح فإن تعطونيها آخذها، فقالوا نعم: نعطيكها. ولما رأى فقراء المسلمين ما عليه هؤلاء من الزينة والزي الحسن تشوقت نفوسهم إلى الدنيا، فأنزل الله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} آل عمران 15، وأرادوا أن يصلوا بالمسجد بعد أن حان وقت صلاتهم وذلك بعد العصر، فأراد الناس منعهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (دعوهم) ، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم، فعرض عليهم الإسلام، تلا عليهم القرآن فامتنعوا، وقالوا: قد كنا مسلمين قبلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (كذبتم، يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولدًا) ، أي لأن أحدهم قال له: المسيح عليه الصلاة والسلام ابن الله لأنه لا أب له. وقال له آخر: المسيح هو الله لأنه أحيا الموتى، وأخبر عن الغيوب، وأبرأ من الأدواء كلها، وخلق من الطين طيرًا. وقال له أفضلهم: فعلام تشتمه وتزعم أنه عبد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (هو عبد الله {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم} النساء 171) ، فغضبوا، وقالوا: إنما يرضينا أن تقول إنه إله، وقالوا له: إن كنت صادقًا فأرنا عبدًا لله يحيي الموتى ويشفي الأكمه والأبرص ويخلق من الطين طيرًا فينفخ فيها فتطير؟ فسكت عنهم، فنزل الوحي بقوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم} وقوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} آل عمران 59، ثم قال لهم: (إن الله أمرني إن لم تنقادوا للإسلام أن أباهلكم) ، أي ندعو ونجتهد في الدعاء باللعنة على الكاذب، وهو قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} آل عمران 61، فقالوا له: يا أبا القاسم نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك، فخلا بعضهم ببعض، فقال بعضهم: والله علمتم أن الرجل نبيّ مرسل، وما لاعن قوم قط إلا استؤصلوا: أي أخذوا عن آخرهم، وإن أنتم أبيتم إلا دينكم فوادعوه وصالحوه وارجعوا إلى بلادكم.
ونموذج آخر في حواره صلى الله عليه وسلم مع وفد ثقيف، وقد ذكر مفصلا في زاد المعاد: (قَدِمَ وَفْدُهُمْ وَفِيهِمْ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ ياليل وَهُوَ رَأْسُهُمْ يَوْمَئِذٍ وَفِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَهُوَ أَصْغَرُ الْوَفْدِ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْزِلْ قَوْمِي عَلَيّ فَأُكْرِمْهُمْ فَإِنّي حَدِيثُ الْجُرْحِ فِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:(لَا أَمْنَعُكَ أَنْ تُكْرِمَ قَوْمَك، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ حَيْثُ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ) ، وَكَانَ مِنْ جُرْحِ الْمُغِيرَةِ فِي قَوْمِهِ أَنّهُ كَانَ أَجِيرًا