فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 523

فقال: أشهَدُ باللّهِ لَقدْ صَلَّيْتُ معَ رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم قِبَلَ مَكَّة، فَدارُوا - كما هُم - قِبَل البَيتِ. وكانت اليَهودُ قدْ أعْجَبَهُم إذْ كانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيتِ المَقْدِسِ، وأهلُ الكِتابِ، فلما وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البيتِ أنْكَرُوا ذلكَ).

ولئن اختلفت الروايات حول الصلاة التي حولت فيها القبلة ما بين الظهر والعصر، والشهر الذي كان فيه التحول ما بين رجب وشعبان، فإنها لم تختلف في أن التحول كان في صلاة رباعية الركعات، ولما صلى النبي عليه الصلاة والسلام ركعتين نزل جبريل فأشار إليه أن صل إلى البيت، وصلى جبريل إلى البيت، فاستدار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين، وكانت الصلاة يومئذ أربعا: اثنتان إلى بيت المقدس واثنتان إلى الكعبة، وخرج عباد بن بشر رضي الله عنه، وكان صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر على قوم من الأنصار ببني حارثة وهم راكعون، فقال:"أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البيت"، فاستداروا. وكانت هذه الحادثة مظهرا رائعا من مظاهر الإيمان والطاعة والتسليم، كما ورد عن نويلة بنت مسلم، قالت:"صلينا الظهر- أو العصر- في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء - أي بيت المقدس - فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أولئك رجال يؤمنون بالغيب"."

ولما تم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بأمر الله تعالى، بقي حائط القبلة الأولى في مؤخر المسجد النبوي، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به فَظُلِّلَ أو سُقِف وأُطلِق عليه اسم الصُّفَّة وهي الظُّلة التي كان يأوي إليها المساكين والغرباء ممن لا مأوى لهم ولا أهل، وإليها ينسب أهل الصفة.

لقد كان تحويل القبلة إلى الكعبة حدا فاصلا بين مرحلة الاستضعاف ومرحلة القوة والانتشار، ولئن كان لهذا الإجراء مغزاه التربوي تميزا للمسلمين عن أهل الكتاب وعودة إلى أصل ملة إبراهيم، وتجريدا للطاعة المطلقة لأوامر الله تعالى، وانتزاعا للقلوب من التعلق بالكعبة وقد أحبوها على الشرك، بتوجيههم إلى بيت المقدس أولا، ثم ردهم إليها ثانيا بعد أن غمر الإيمان القلوب فصفت عقيدتها وتعلقت بربها واتجهت إلى بارئها، فقد كانت له قيمته الاستراتيجية بإشارته إلى ما ينبغي الاستعداد له، من ضرورة استخلاص القبلة الإبراهيمية وتحريرها من الأوثان وعبدتها، وبتمهيده لحركية جديدة تنبعث في المجتمع الإسلامي الناشئ، هي حركية المواجهة والتصدي، التي أقحموا بها في غزوة بدر الكبرى بعد ذلك مباشرة، وهو أسلوب قرآني مألوف في التربية والإعداد، يأتي أحيانا إشارة عابرة وومضة خاطفة، كما في هذه الحادثة، وأحيانا واضحا صريحا كما في قوله تعالى قبل فتح مكة: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} الفتح 27، وقوله تعالى حين صد المشركون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الوصول إلى المسجد الحرام ليقضي عمرته، وحالوا بينه وبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت