ذلك: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الفتح 1، وقبل ذلك حين أُخْرِج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة فنزل قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَق} الحج 39/ 40، فقال أبو بكر رضي الله عنه:"فعرفت أنه سيكون قتال".
وكما هو دأب خصوم الدعوة في الترصد للمسلمين والتشكيك في كل ما يبدر منهم، فقد عاب اليهود أولا توجه المسلمين نحو بيت المقدس فقالوا:"يخالفنا محمد ويصلي لقبلتنا"، ثم لما تحول بأمر الله نحو الكعبة قالوا: {مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ، وقال حيي بن أخطب وجماعة من اليهود للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس إن كانت على هدى لقد تحولتم عنه، وإن كانت على ضلالة فقد عبدتم الله بها مدة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة، فقال المسلمون: إنما الهدى فيما أمر الله تعالى والضلالة فيما نهى الله عنه، فقالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟، وكان قد مات من المسلمين جماعة قبل تحويل القبلة، منهم أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} ، وأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جماعةٌ من اليهود فيهم كعب بن الأشرف يريدون الفتنة فقالوا:"يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك"، وتوجهوا إلى مشركي مكة مستهزئين بالرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم:"قد تردد على محمد أمره فاشتاق إلى مولده وقد توجه نحو بلدكم وهو راجع إلى دينكم".
لقد علم الله تعالى وقوع هذا الشغب من سفهاء القوم فأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين قبل وقوعه، ولقنهم ما يفحمون به خصومهم، تطمينا لأفئدتهم وتوطينا لأنفسهم على مواجهة سفاهة السفهاء ومكر الماكرين، فقال: {قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، وهو جواب يرد الحق إلى نصابه، إذ الجهات كلها لله تعالى، لا تتميز عن بعضها إلا بما يميزها به ربها ويخصها به، وهو فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل، المشرق والمغرب والشمال والجنوب كلها له عز وجل، والتوجه في الصلاة توجه له خالص له خاص به، وإذا اختار للمسلمين قبلة فلا خيار لهم في غيرها، لأنه الهادي إلى الصراط المستقيم {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم} الأحزاب 36.
ولئن سُعِرَ الكفار مشركين وأهلَ كتاب من هذا التحول الجديد في الاستراتيجية الإسلامية فإنما لما فهموه منه وما رأوه فيه من قرائن بزوغ مجتمع متكامل متميز في قبلته وعلاقاته، مجتمع يثور على كل ما لدى الجاهلية من معتقدات وأعراف وتقاليد وانحرافات، فيخالفها في معتقداتها وتصوراتها، وفي توجهها وقبلتها، وينهى عن التشبه بأهلها في سلوكهم وأخلاقهم وتقاليدهم، ويتنزه عن الانغماس في خوضهم الباطل، واكتفائهم بدنياهم عن آخرتهم، مما هو