مبدأ عام في عملية بناء الشخصية الإسلامية ورد به الكتاب والسنة في جميع المجالات، عقائد وعادات وعبادات، قال تعالى: {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} التوبة 69، وقال عليه الصلاة والسلام: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم) وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) ، وقال: (انتعلوا و تخففوا و خالفوا أهل الكتاب) ، وقال: (خالِفوا الْمشرِكِين وَفِّرُوا اللِّحى وَأَحْفُوا الشَّوارب) وقال: (خالفُوا الْيهود فإِنهم لَا يُصلّونَ في نِعَالِهم ولا خِفافِهِم) وقال: (خالفوا أولياء الشيطان كلما استطعتم) .
إن لهذا المجتمع الجديد الناشئ في تكامله وتميزه واستغنائه عن غيره بما يأتيه عن ربه تعالى بواسطة نبيه صلى الله عليه وسلم، واهتدائه إلى الصراط المستقيم، وإلى القبلة التي ضل عنها غيره، مهمة خطيرة بينها تعالى مباشرة بعد هدايته أمة الإسلام إلى القبلة الإبراهيمية بقوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
أي كما هديناكم أيّها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام وبما جاءكم به من عند الله، وخصصناكم بالتوفيق لملة إبراهيم التي حرفها أهل الكتاب والمشركون، ولقِبلته التي ضلوا عنها، وفضلناكم بذلك على من سواكم، كذلك آثرناكم بفضل آخر بأن جعلناكم أمة وسطًا، وقد شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الوسطية بما رواه أبوسعيد الخدري عنه قال: (الْوَسَطُ: الْعَدْلُ، {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ) ، وفي رواية أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} : عدولا) .
فكانت منه تعالى للمسلمين هدايتان، توحيدا لصفهم بالتوجه إلى قبلة واحدة تزيدهم على تباعد الأوطان والأمصار واختلاف الألوان والألسن والأعراق شعورا بالوحدة والقوة، وتحديدا واضحا جليا لوظيفتهم في الدنيا والآخرة:
في الدنيا بأن تؤدي إلى الناس الأمانة التي حملتها، فتبلغهم رسالة الإسلام، تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وتضع لهم القيم والموازين، وتنشر بينهم الفضيلة، وتكون لهم مصدرا للخير والسعادة والأمن، وقدوة ونبراسا للتعاون والتكافل، وتشهد عليهم بالعدل، فتقيم الحجة على من أعرض ورفض، وتنير معالم الطريق لمن أقبل ورضي، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} المعارج 32/ 33، وقال: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُه} البقرة 283. وقال صلى الله عليه وسلم: (أنتم شهداء الله في الأرض) ، وقال أيضا: (المؤمنون شهداء الله في الأرض) ، وهي شهادة عينية واجبة حسب القدرة والوسع على كل فرد من المسلمين {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} الأحزاب 39.