أما في الآخرة فبأن تشهد على غيرها من الأمم، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: (يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ فَيَقُولُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ) . وفي مسند أحمد: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ بَلَّغَكُمْ هَذَا فَيَقُولُونَ لَا فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَيُدْعَى مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ بَلَّغَ هَذَا قَوْمَهُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُقَالُ وَمَا عِلْمُكُمْ فَيَقُولُونَ جَاءَنَا نَبِيُّنَا فَأَخْبَرَنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ) .
ذلك أن يوم العرض بين يدي الله تعالى، هو يوم الشهادة، إذ يسأل الناس جميعا، ويقوم الأشهاد عليهم من أبدانهم ومعارفهم والأرض التي كانوا عليها {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} النور 24، {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء} فصلت 20/ 21، وهو يوم الشهادة الكبرى، شهادة الأمة الإسلامية على جميع الأمم {لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} ، وفوقها شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ، إذ يُسْأَلُ صلى الله عليه وآله وسلم عن حال أمته فيزكيها ويشهد بأنه بلغها فآمنت وصدقت، وهو قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} النحل 89.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك شرح هذه الآية الكريمة لغيره، فتولى بنفسه تبيان معناها، وهو كما ورد في الأحاديث الصحيحة قيام الأمة بشهادة العدل في الدنيا والآخرة، إلا أن كثيرا من المفسرين رغبة منهم في التيسير والتوسعة على الناس ركزوا على المعنى اللغوي للفظ"وسط"في الآية الكريمة، ويعنى النقطة المتوسطة بين طرفين متعادلين، فاستفاضوا في التأويل، واستدرجوا إلى التفريط والتلبيس، ووقعوا في المحظور.، مع أن من نظر بعين البصيرة لم يجد فيها سوى ما شرحها به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بدأت مسيرة تأويل"الوسطية"عندهم بتقرير صفة توسط الأمة الإسلامية بين غلو النصارى في الترهب وتأليههم عيسى عليه السلام، وبين تقصير اليهود بتبديلهم كتاب الله وكذبهم على الأنبياء، وهي صفة حق، لكن معناها من نصوص أخرى غير قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ، من هذه النصوص قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم وقد قال له رجل: محمد يا سيدنا وابن