فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 523

سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس، عليكم بقولكم، ولا يَسْتَهْويَنَّكُمُ الشيطانُ، أنا محمدُ بنُ عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّهُ عز وجل) .

وزاد بعضهم أن الناس من غير المسلمين فئتان، فئة مادية لا هم لها إلا تحقيق شهوات النفس، وفئة طغت عليها النزعة الروحية والتزهد وترك الدنيا فجاء الإسلام ليكون وسطا بين هؤلاء وهؤلاء، يحقق مطالب الجسد بلا إسراف ومطالب الروح بلا إفراط، وشاهدا على الماديين بما فرطوا، وعلى غلاة الروحانيين بما أفرطوا. وهذه معاني جميلة قد تفهم من نصوص أخرى غير هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها.

واحتج بعضهم بهذه الآية للدلالة على أن إجماع الأمة علماء وعامة في أمر الدين حجة، لما أخبر به الله عن عدالتها وخيريتها، وهذا لا يكون إلا فيما طريقه النقل وما يعبر عنه بالتواتر، أما الإجماع في القضايا الدنيوية التي لا نص فيها ولا سبيل إلى حمل على النص، فدليله من آية الشورى {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38، لا من قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} .

أما الطامة الكبرى فما ابتدعه المعاصرون في أمر هذه الوسطية، وهو جعلهم الإسلام بتعاليمه كتابا وسنة، عقيدة وعبادة وأخلاقا ومعاملة في طرف، والكفر البواح عقيدة وعبادة وأخلاقا ومعاملة في الطرف الثاني المقابل، واتخذوا بينهما موقعا وسطا سموه الإسلام المعتدل، يأخذ من الإسلام ومن الكفر، فيباح بهذه الوسطية المحدثة الحرام وتنتهك الأعراض ويكفر بالله واليوم الآخر جهارا، تحت مسمى حرية الدين والمعتقد، والمساواة بين الناس، وعدالة تحقيق مطالب لذات الجسد، وتبعا لهذا المفهوم الجديد للوسطية صار الدين ثلاثة أديان، دين المشركين ملاحدة وأهل كتاب يعدون عند الوسطيين مؤمنين أيضا، ودين النخب الحاكمة من العلمانيين والانتفاعيين ومتملقة أصحاب السلطة والثروة، هو أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان لما اختلط فيه تحت مسمى الوسطية من عقائد وتشريعات وأخلاق قوم آخرين، ودين الإسلام الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم كتابا وسنة، طورد الملتزمون به وسجنوا ونفوا من الأرض وقتلوا في الشوارع والأزقة، بتهمة الغلو والإفراط.

لم تكتف هذه الوسطية الضالة بتكييف الشأن الداخلي للأمة، بل هيمنت حتى على المواقف السياسية في التعامل مع الشأن الخارجي وعلاقات الدول الإسلامية بغيرها، فنشأت تكتلات رسمية تحت مسمى"معسكر الاعتدال"، وما هي إلا"حظائر للاعتلال"، خنعت للأجنبي وأسلمته زمام أمرها، عادت من عاداه ووالت من والاه، وحاربت تحت رايته، فتم بذلك الإطباق على الإسلام وأهله، وتداعت على قصعته أمم الأرض، تماما كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قيل: يا رسول الله، فمن قلة يومئذ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت