فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 523

لقد كان تشريع تحويل القبلة إلى الكعبة، وتشريع جعل الأمة الإسلامية شاهدا عدلا على الناس في الدنيا والآخرة أخطر نقلة عاشها المسلمون بعد الهجرة إلى المدينة، تطهر بها صفهم، واتضحت بها أهدافهم واتسعت بها آفاق رؤيتهم، وتحددت بها أبعاد دورهم في الحياة، تاريخيا بصفتهم ورثة ملة إبراهيم عليه السلام ورواد تحرير البشرية من قيودها وأغلالها، ودعاة تعبيدها لربها الواحد الأحد، وعقديا بصفتهم أمناء التوحيد الحق والعقيدة الصافية، وحملة منار السبيل، والهداة إلى صراط الله المستقيم، وحركيا بصفتهم روادا لمرحلة جديدة في التاريخ البشري، وعنوانا لصراع مواجهة بين الحق والباطل، يُتَّخَذ فيه التميزُ والمفاصلة شعارا والجهادُ أداةً ووسيلة. لذلك عقب عز وجل توعية بأبعاد هذه الخطوة وتثبيتا عليها وإعدادا لما بعدها، بذكر علة هذين التشريعين وحكمتهما فقال: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} . ولئن كان رب العزة عالما بما كان وما سيكون، علمه تعالى مطلق، يعلم السر في السماوات والأرض، فإنه في هذه الآية الكريمة شاء أن يكون معلومه الغيبي مشاهدًا في العيان، لتقوم به الحجة على الخلق، ويترتب عليه الثواب والعقاب. والمعنى أنه تعالى لم يحول القبلة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الصخرة في بيت المقدس إلى الكعبة في البيت الحرام، إلا اختبارا للأمة يظهر من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ويطيعه ويتجه حيثما اتجه، دون شك أو ريب، فيميزه عن الذين يسارعون إلى الكفر والردة منقلبين على أعقابهم، وقد عبر عن الردة بالانقلاب على العقبين، والعقب لغة هو مؤخر القدم، والانقلاب على العقبين مستعار للعودة إلى الكفر والرجوع عن الدين الحق الى الباطل.

لقد كان هذا التحول إلى القبلة الجديدة شاقا وعسيرا على نفوس كثير من المسلمين إذ لم يفهموا حكمته أولا، فكبر عليهم مواجهة حملات التشكيك والسخرية التي شُنَّتْ، ثم ما لبثوا أن اطمأنت قلوبهم ثقة بقيادتهم وطاعة لها، ولئن آلمهم انكشاف أمر بعضٍ منهم ظنوا بهم خيرا، ففضح الله نفاقهم وضعف إيمانهم، فإن الفرح بتطهير الصف تغلب على نزعة الأسى والحزن، وهو ما بينه عز وجل تعقيبا على الرجة التي حدثت عقب تحويل القبلة بقوله: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ} أي إن هذه النقلة من قبلة إلى قبلة، بما وظفه اليهود والمنافقون منها للتشكيك والتشهير والسخرية، وبما فضحت من ضعاف الإيمان والمنافقين والمندسين، كانت كبيرة وشاقة إلا على من وفقهم الله تعالى للطاعة والامتثال، وهداهم لمعرفة حكمتها وفائدتها وما يعود بها من خير على الصف المسلم.

ولما أشفق بعض المسلمين من أن يضيع أجر صلاتهم إلى القبلة الأولى ببيت المقدس طمأنهم الله تعالى بقوله: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي أن الله تعالى لن يضيع أجر إيمانهم، وسمى الصلاة إيمانا، إشارة منه عز وجل إلى أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، ثم بين علة ثبات أجر العاملين فقال: {إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} . وهذه الآية جواب على سؤال لبعض المؤمنين إذ بلغ بهم الإشفاق في الطاعة والمسارعة إليها أن خافوا على من مات وهو يصلي نحو بيت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت