المقدس قبل تحويل القبلة، فقالوا: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} .
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله و ضلوا عنها و على القبلة التي هدانا الله لها و ضلوا عنها) ، وذلك لأن أول بيت وضع للناس هو الكعبة، وقد رفع قواعدها وجددها إبراهيم أبو الأنبياء عليهم صلاة الله وسلامه، فكان الحق أن تكون قبلة للجميع، هذا الشعور كان يتملك وجدان الرسول صلى الله عليه وسلم بما له من شفافية نورانية وصلة فطرية خفية بحقائق الأشياء أهلته للنبوة الخاتمة، ولذلك كان عليه السلام مشتاقا للعودة إلى الاتجاه الأحق في الصلاة، يقلب وجهه في السماء انتظارا للوحي، فوعده ربه جل جلاله بقوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} ، ثم نزل الأمر مباشرة بالتوجه إلى القبلة الأولى للبشرية، إنجازا لهذا الوعد، فقال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، وصحبت هذا الإنجاز بشارة عظيمة، ومضة نور من غيب، ولمحة إشراق تضيء مستقبل الانتشار العقدي في الأرض، فقال تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} ، شطره أي قِبَلَه، بحيث يكون وجه المصلي ونظره للأمام كما ذهب إليه المالكية خلافا لغيرهم ممن يرون أن نظر المصلي يكون إلى موضع سجوده مستشهدين بما رواه البيهقي والحاكم وصححه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان إذا صلى طأطأ رأسه ورمى ببصره نحو الأرض) ، وأنه صلى الله عليه وسلم (دخل الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها) . ولعل في شرح مختصر خليل للخرشي ما يزيد رأي المالكية بيانا، قال:" (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَضَعَ بَصَرَهُ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَقَطْ) خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ يَضَعُ بَصَرَهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ فَقَطْ، قَالَ مَالِكٌ: يَنْظُرُ أَمَامَهُ فَإِنَّهُ إذَا أَحْنَى رَأْسَهُ ذَهَبَ بَعْضُ الْقِيَامِ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ فِي الرَّأْسِ وَهُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ أَقَامَ رَأْسَهُ وَتَكَلَّفَ النَّظَرَ بِبَعْضِ بَصَرِهِ إلَى الْأَرْضِ فَتِلْكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ وَحَرَجٌ، وَإِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ جِهَةَ الْكَعْبَةِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الْمُصَلِّيَ يَجْعَلُ بَصَرَهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالصُّوفِيَّةُ بِأَسْرِهِمْ، فَإِنَّهُ أَحْضَرُ لِلْقَلْبِ وَأَجْمَعُ لِلْفِكْرِ".
وفي هذه الآية الكريمة إشارة لذوي البصائر من المسلمين وهم حينئذ في المدينة لا يكادون يتجاوزونها، إلى أن الإسلام ستبلغ دعوته الآفاق، يملأها المؤمنون به ويتوجهون للكعبة حيث ما كانوا، وهو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي) ، وقوله: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ.
إن الذين يشاغبون على اتخاذ الكعبة قبلة وهي أول بيت للعبادة وضع للناس مباركا في الأرض، يعلمون أن توجه المسلمين لها هو الحق، لما يجدونه في كتبهم عن إبراهيم وما رفع من قواعد البيت، ولكن أهواءهم وعزتهم بالضلال