وكبرياءهم المتعجرفة تمنعهم من الاعتراف بالحق واتباعه {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} أي: الحق الذي فرض على إبراهيم وذريته باستقبال الكعبة في الصلاة، والله تعالى يعلم من بدل وغير في أحكام الدين من اليهود والنصارى، ليس بغافل عنهم وحسابهم عنده: {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} .
إن أهل الكتاب يهودا ونصارى قد اتخذوا إلههم هواهم، ومن هذا شأنه يتعذر رجوعه إلى الحق، لما يطغى على مواقفه من مزاجية وتعصب وعزة بالإثم، وما مطالبتهم رسول الله بالآيات وقد جاءهم بكثير منها إلا معاندة ومشاقة ومراوغة عن تقبل الحق، وهم مصرون على ضلالهم، لن يؤمنوا ولن يتبعوا قبلته وقبلة أبي الأنبياء قبله، كما لن يتبع بعضهم قبلة بعض {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} ، والقبلة الإبراهيمية ثابتة لن تتغير إلى يوم القيامة، لن يحيد عنها المسلمون أبدا، قال تعالى: {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} .
إن أهل الكتاب عبيد لأهوائهم ورهبانهم، فاليهود تركوا قبلة أبيهم إبراهيم وتوجهوا نحو بيت المقدس، والنصارى جعلوا قبلتهم تبعا لهوى أحبارهم، يتوجهون مرة نحو المشرق بزعم أن ربهم يعود منه، وتارة نحو صورة زعموها صورة للمسيح عليه السلام، وأخرى نحو صليب مجسم أو مرسوم، أو نحو كرسي لراعي الكنيسة التي يصلون فيها، هذا مآل كل من يتبع هواه، بعد أن يبلغه العلم وحيا من ربه، يظلم نفسه ويوردها موارد الهلاك، {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} ، وهوخطاب تحذيري موجه للمسلمين جميعا في شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم، من أن يركب أحدهم أو جمعهم الهوى، فتزل قدم بعد ثبوتها ويذوقوا السوء ويبوؤوا بالخسار والبوار.
ولئن تجاهل بعض علماء أهل الكتاب الحق الذي أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وكتموه، فإن ذلك منهم مجرد حسد وعناد وضلال وهوى، لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وجدوه مكتوبا في التوراة والإنجيل {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، هذا هو الحق من الله تعالى، إنهم يكفرون به وقد وجدوه في كتبهم، يعرفونه حق المعرفة، فلا يكن أحد من المسلمين ممتريا شاكا فيما أخبر الله به نبيه عليه السلام من أمرهم {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} . وإنما كل ميسر لما خلق له {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} ، من اختار اللهَ ورسولَه اتَّجَهَ إلى القبلة التي وجه اللهُ إليها عبادَه، ومن اختار الهوى فأينما توجهه لا يأت بخير. {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الأنعام 39، وما على المؤمنين إلا أن يبادروا بالأعمال الصالحة ويستبقوها ويتنافسوا فيها، إعدادا واستعدادا ليوم حساب يأتي الله فيه بالجميع، مؤمنين وكفارا، وهو القادر القاهر فوق عباده، الفعال لما يريد {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .