ديانتهم السابقة، فإن حكمها فيمن يُحَرِّم ما أباح الله تعالى أو يُبيح ما حرم، عامٌّ في عصر النبوة وفيما يتلوه من أعصر، وهو أن الحلال ما أحله الشرع والحرام ما حرمه الشرع، والكتاب والسنة مرجع ذلك كله. والإعراض عن الأحكام الشرعية ضلال واتباع لخطوات الشيطان وأوليائه، مهما التُمِسَ لتبريره من أعذار، أو مُوِّهَ عليه بسننٍ مزعومةٍ للآباء والأجداد.
قال ابن عباس: دَعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودَ من أهل الكتاب إلى الإسلام ورَغَّبهم فيه، وحذرهم عقاب الله ونقمته، فقال له رَافع بن خارجة ومَالك بن عوف: بل نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فإنهم كانوا أعلم وخيرًا منا، فأنزل الله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ .... الآية} .
لذلك عقب القرآن إذ نهى عن اتباع خطوات الشيطان بقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} أي إذا دعوا إلى اتباع أحكام الكتاب والسنة فيما حرما وأحلا، مأكلا ومشربا وتصرفا وعبادة، أعرضوا وأصروا على اتباع ما وجدوا عليه آباءهم من جهالة وضلالة وائتمار بالشيطان. وزاد عز وجل فوبخهم على ما فرطوا في عقولهم وحكمتهم بقوله: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} ، أنكر عليهم أن يقلدوا من لا يعقل من الآباء شيئا ولا يهتدي، ونفى بعموم اللفظ عنهم وعن آبائهم مطلق الفهم والهداية، والمقصود نفي خصوص المعرفة للدين والاهتداء إلى الصراط المستقيم.
ثم ضرب لَهُمْ وبِهِمْ مثلا يوقظ العقول النائمة وينبه الأحلام الغافية فقال عز وجل: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء} فشبههم في الغي والجهل إذ يدعوهم الداعي للخير فلا يسمعون، وشبَّه أصنامَهم إذ يدعوها أولياؤها فلا تستجيب، وضُلَّالَ آبائهم إذ انْغَرسوا في الأرض {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} مريم 98، بالأنعام السارحة التي ينعِق بها الراعي، أي يدعوها ويوجهها فتسمع صوته ونداءه ولا تفقه قوله أو تفهم قصده، لا تشعر إلا بقارع من عصاه يهشها بها أو حجر يزجرها به، {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي صُمٌّ عن سماع الحق، بُكْمٌ عن قوله، عُمْيٌ عن رؤية طريقه ومسلكه {فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} عقولهم معطلة عن الفهم والإدراك، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الأنعام 39.
وفي هذه الآية إشعار بأن عادات الآباء والأجداد ومعتقداتهم لا تثبت بغير شاهد من الدين الحق، كتابا أو سنة، وأن التقليد من أهم هادمات الإسلام، لأن كل إنسان مكلف شرعا بأن يعرف دينه بالطرق التي لا يعذر أحد بجهلها، وما هي إلا الأدلة النقلية من الكتاب والسنة، والعقل الحر تفكرا وتأملا في ملكوت السماوات والأرض.