فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 523

إن الكتاب والسنة بين أيدينا، والله تعالى زودنا بالعقل رشيدا وبالقلبِ نَيِّرا، ولم يجعلنا عالة على غيرنا؛ لذلك حرَّم أن نُعَطِّلَ الطاقة الفكرية التي نفهمُ بها الكتاب والسنة ونتأملُ بها ملكوتَ الرحمن، أو أن نَتَّكِلَ في أمر الدين على تقليد الآخرين مهما كانت مراتبهم العلمية، قال تعالى:

- {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} النساء 105.

- {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} البقرة 231.

- {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} الأعراف 185

- {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} فصلت 53

- {فَلْيَنْظُر الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} عبس 24 - 31

إن تقليد الغير في أمر الدين من أخطر ما يعصف بالعقيدة إيمانا وعملا، ولئن التقى المرء مرة بعالم صادق فقلده بما تبين من حججه وأدلته، فإنه يلتقي عشرات المرات بعلماء سوء، ولا يمتنع أن يتأثر بهم فيختل إيمانه ويحبط عمله، ولذلك حُرِّمَ التقليدُ سَدًّا لذريعة الانحراف والضلال.

إن المرء إذا قلد في دينه مِنْ غيرِ تَثَبُّت أو رويةٍ فكأنما طوَّق عنقَه بحبلِ غيرِه وربط مصيرَهُ بمصيره، وفي هذا من المخاطر في الدنيا والآخرة ما لا يخفى على بصير. هذا المعنى يشير إليه الأصل اللغوي لكلمة"تقليد"، وهي مشتقة من لفظ:"قَلَدَ الشيءَ على الشيء"أي: لواه، وقَلَدَ الحبلَ فَتَلَه، والمِقْلَدُ هو الحبل المفتول، والقِلادة ما جُعِل في العنق، تكون للكلب والفرس والإنسان، ومن الأمثال: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. وعلى هذا فالتقليد في الدين أن تربط عنقك بحبل غيرك، أي أن تربط مصيرك في الدنيا والآخرة برأي غيرك. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تكونوا إمَّعَة، تقولون إن أحسن الناس أحْسَنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وَطِّنُوا أنفسَكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا) . وقد كان عبد الله بن مسعود يقول:"كنا في الجاهلية نَعُدُّ الإمَّعَةَ هو مُتَّبِعُ الناسِ إلى طعامٍ من غير أن يُدعَى، وإن الإمَّعَةَ فيكم اليومَ المُحْقِبُ الرجالَ دينَه"أي المقلِّد الذي جعل دينه تابعا لدين غيره من غير روية ولا دليل ولا برهان.

وبعد أن امتن عز وجل على الناس جميعا بما أباح لهم من الحلال الطيب بقوله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا} ، ونعى على الكفار غباءَهم وغيابَ فطنتهم وإصرارَهم على الباطل، التفت بغاية اللطف إلى جمهور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت