فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 523

المؤمنين وقد عهد فيهم السمع والطاعة، فحثَّهم على تناول ما يختارونه من طيبات ما يرزقهم بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ، ولم يقيد أمره بشرط الحِلِّية وعدمِ اتباع الشيطان كما سبق عند مخاطبته عموم الناس بقوله {حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ، لأنه تعالى يعلم أن المؤمنين لا يُقْدِمون على الحرام، والطيب لا يكون إلا حلالا كما قال عز وجل: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} الأعراف 157، وقال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} المائدة 4. بل قيد تعالى إباحتَه طيباتِ الرزق للمؤمنين بالشكر، تتويجا وتحقيقا للعبادة التي يمارسونها فقال: {وَاشْكُرُوا لِلّهِ} ، والشكر هو الاعترافُ للمنعم بفضله وحمدُه عليه، ومعرفة قدر النعمة وصرفها فيما يرضي الله سبحانه، ولا يتم إلا بمعرفته تعالى وتوحيد عبادته خالية من الشرك ظاهرا وخفيا، وهو معنى تقييد الشكر بقوله عز وجل: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي: إن كانت عبادتكم خاصة به تعالى خالصة له لا تشركون معه فيها غيره فإنها لا تتم إلا بالشكر لأنه من أجلِّ العبادات، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} لقمان 12، وقال صلى الله عليه وسلم: (الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ) وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا) .

ثم أخذ في بيان ما يضاد الحلال الطيب من المطعومات الخبيثة المحرمة فقال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .

ولئن كان التحريم منصبا على هذه الأعيان، فإن في أسلوبه مجازا بالحذف، تقديره:"حرم عليكم أكل الميتة ..."، كما في الآية 82 من سورة يوسف: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي أهل القرية، وإن كان بعض أهل الفقه يحرمون مطلق التصرف والانتفاع بها أو بشيء منها لأن التحريم مسند إليها ولا حاجة لتقدير أي حذف مجازي، كما ذهب إليه الجصاص والألوسي وغيرهما.

وتعني الميتة ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل، أو قتل بغير ذكاة شرعية، كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما عدا عليها السبع، كما فصلته الآية الثالثة من سورة المائدة بقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ] [1] [وَالْمَوْقُوذَة] [2] [َالْمُتَرَدِّيَةُ] [3] [وَالنَّطِيحَة ُ] [4] [وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ] [5] [إِلَّا

(1) - المنخنقة هي التي ماتت خنقا إما قصدًا أو اتفاقا، بأن تَتَخبل في وثاقتها فتموت به، فهي حرام.

(2) - الموقوذة هي المقتولة بالضرب. من:"وَقَذَه يَقِذُه"إذا ضربه بشدة.

(3) - المتردية هي التي تقع من شاهق أو موضع عال كجبل، أو في بئر، فتموت بذلك. والتردى هو السقوط، مأخوذ من الردى وهو الهلاك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: (إذا تردت رميتك من جبل فوقعت في ماء فلا تأكل فإنك لا تدرى أسهمك قتلها أم الماء) .

(4) - النطيحة هي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها.

(5) - ما هاجمها حيوان مفترس كأسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب أو غيره، فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت