فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 523

فبعد أن أجمل تعالى أساس الدين في كلية لا غنى للمؤمن عنها، هي الطاعة المطلقة للرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ} البقرة 143، أردفها بما تؤدي إليه الطاعة من ضرورة حفظ الدين وأهله وأرضه بكلية أخرى هي فريضة الجهاد وما تستلزمه من سنن التكافل الاجتماعي وإعداد القوة وضروب المدافعة النفسية والمادية، والصبر على لأواء البأس والمحنة والبلاء والشوق إلى الحياة الحقيقية فقال: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} البقرة 154؛ وبين للمؤمن عمادا متينا بكلية شاملة حاكمة من الإيمان والتوحيد، هي قوام الأمر كله في الدنيا والآخرة فقال: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} البقرة 163؛ ونظاما لخير معاش الناس وصلاح أجسادهم بكلية أحكام الحلال والحرام فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} البقرة 168.

وبعد أن تَضَامَّتْ هذه الكليات الأربع حفظا للوحدة بالطاعة، وتقوية للنفوس والأرواح بالإيمان، وحماية للأمة بالجهاد، وللأجساد بالحلال الطيب، استمر القرآن الكريم على نفس النهج، فقدم لنا كلية أخرى من كليات الدين في آية واحدة عظيمة شديدة الوضوح والإيجاز تنتظم التصور الإيماني الحق وأحكام العبادة وقواعد السلوك الإنساني الرفيع، وأهدى للأمة الإسلامية حياةً راقية من القيم والمبادئ وحسن العلاقات، تميزها عن غيرها مما على الأرض أناسي وكائنات، حياة مبنية على قاعدة البر وكليته، بمفصلاتٍ وجزئيات منبثقة منه وتابعة له، تسع كل نشاط مادي أو روحي، فردي أو جماعي، وذلك بقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} .

والبر لغة وشرعا هو حسنُ الصلة مع الله والناس وسائر الخلق، ولا صلةَ خيرٌ مِن جَعْل توجيهات الكتاب والسنة دليلا ومرشدا ونبراسا، يشمل برَّ المعتقد إيمانا واحتسابا، وبرَّ العبادة صلاة وصوما ونسكا، وبرَّ المعاملة صدقا وخلقا رفيعا وإحسانا، ومن ثم يتسع معناه لكل خير وصلاح، أصل الكلمة كما قال الراغب في مفردات القرآن من"البَرّ"بفتح الباء، خلاف البحر، وتُصُوِّر منه التوسع فاشتق منه البِرّ، أي التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو قوله تعالى {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} الطور 28، أي العظيم واسع الرحمة صادق الوعد جزيل العطاء، وإلى العبد تارة فيقال: بَرَّ العبدُ ربَّه، أي: توسع في طاعته، فمن الله تعالى سعة الإحسان وجزيل الثواب، ومن العبد الطاعة، والمراد به أساسا طاعة الله عز وجل وامتثال أمره في دقيق العمل وجليله. ويقابله ويضاده الإثم والفجور كما في قوله صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد وقد جاءه يسأل عن البر: (البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت