فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 523

والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك)، وقوله للنواس بن سمعان وقد سأله عن البر والإثم: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) ، وقول أبي بكر رضي الله عنه: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُ مَعَ الْبِرِّ وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ وَهُمَا فِي النَّارِ) ، وعن أبي ذر رضي الله عنه، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فتلا هذه الآية: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} حتى فرغ من الآية، قال ثم سأله أيضا فتلاها، ثم سأله أيضا فتلاها، ثم سأله فقال: (وإذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك) .

وسواء نزلت الآية حسما للغط الذي أثاره أهل الكتاب حول تحويل القبلة من الصخرة في بيت المقدس إلى بيت الله الحرام في مكة بادعاء كل طائفة حصر البر على قبلتها، أو جوابا لأسئلة من الصحابة رضي الله عنهم عن البر حرصا على معرفة دينهم، أو تصحيحا لما ذهب إليه بعض المسلمين حين تحولت القبلة ونزلت الفرائض والحدود في المدينة من أن الصلاة بدون عمل كافية لدخول الجنة، فإن الآية بعمومها نَهْيٌ للمسلمين عن أن يتعلقوا من شريعتهم بالقليل كما تعلق أهل الكتاب بالتوجه في الصلاة إلى المشرق والمغرب وتخلوا عن بقية أعمال البر، وأمْرٌ لهم بأن يعملوا بجميع تكاليف الشريعة التي أتى بها القرآن والسنة، وأن تكون صلتهم بربهم وبجميع الخلق نابعة من مبادئ العدل والإحسان، ذلك هو البر الحق وليس كما يزعمون، البر تصور إيماني يطهر الضمائر ويزكيها، وعبادة صادقة تقرب النفوس من بارئها، وأعمال صالحة ترفع شأن الأمة أفرادا وجماعة، وحسن صلة تنظم الحياة وتؤاخي بين المؤمنين وتجعلهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.

لقد أنكر القرآن الكريم الاقتصار في أعمال البر على الصلاة وحدها بالنسبة للمسلمين، كما أنكر التوجه لإحدى الجهات الأربع في صلاة بغير إيمان صحيح بالنسبة لغيرهم من المشركين وأهل الكتاب، فقال: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} ، ولم يذكر الجهات الأخرى اكتفاء بذكر المشرق والمغرب على طريق التمثيل لا التقييد، ثم استدرك ببيان أوجه البر الأخرى متتابعة يأخذ بعضها بيد بعض فقال:

- {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ} بدأ بالإيمان بالله لأنه رأس الأمر كله، فمن لم يؤمن بالله حبط عمله وخسر نفسَه، ولا يكون على وجهه الصحيح إلا بتنزيهه عز وجل عن كل شائبة ونقص، ووصفه بكل صفات الكمال، وتوحيد ربوبيته بأفعاله خلقا ورزقا وإحياء وإماتة وغير ذلك، وتوحيد ألوهيته وإفراده بالعبادة صلاة وصوما وحجا وزكاة ونذرا وذبحا ونحو ذلك، وتوحيد أسمائه وصفاته فلا يوصف أو يسمى إلا بما وصف به أو سمى به نفسه، أو وصفه وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تشبيه أو تمثيل أو تحريف أو تعطيل، وبدون نواقض من شرك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت