وقوله تعالى: {يُتَوَفَّوْنَ} بضم الياء، أي تقبض أرواحهم، يقبضها الله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} الزمر 42، ولهذا المعنى عندما سئل أبو الأسود الدؤلي وكان خلف جنازة: من المتوفي؟ بكسر الفاء، قال:"الله تعالى". كما أن فتح التاء في"تَوفَّى"معناه استكمل عمره، لأن أصل التوفية من فعل"وفى الشيءُ"إذا تم، وأوفيته إذا أتممته، قال تعالى: {وأَوفُوا الْكَيْلَ} ، ومنه"تُوُفِّيَ فلان وتَوَفَّاه الله"إذا قبضت روحه، و"تَوَفَّى الميتُ"أي استوفى أجله ومدته التي كتبت له، كما تقول: تَوَفَّيْتُ المالَ من فلان واسْتوْفَيته إذا أَخذته كلَّه.
والفعل المضارع"يذرون"بمعنى يتركون، من"وَذَرَ، يَذَر"، وقد أماتت العرب منه صيغ الماضي والمصدر واسم الفاعل، فلا يقال: وَذَر وَذرًا فهو واذر، وإنما يقال ترك تركا فهو تارك، وإنما تستعمل العرب منه صيغتي المضارع والأمر، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} البقرة 278.
والمقصود من الأزواج في هذه الآية الكريمة هو النساء، لأن العرب تسمي الرجل زوجا والمرأة زوجا ولا يميز بينهما إلا سياق الكلام، وربما ألحقوا بها التاء المربوطة فقالوا زوجة.
وقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} أي يتلبثن وينتظرن بدون زواج أو تعرض له بزينة أو خطبة {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ، وهي مدة تلتئم فيها جراح مصيبة الفراق بالموت، وتُوفَّى بها الحياةُ الزوجية المنتهية حقَّها من التكريم والتوقير، وتستبرأ فيها الرحم، فإن ظهر حمل امتدت العدة إلى حين الوضع لقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُن} الطلاق 4، وتمكث الزوجة في إحدى العدتين إن حائلا] [1] [أو حاملا مكرَّمةً في بيت الزوجية يُنفَق عليها من تركة الزوج أو عَصَبَتِه إن لم يترك مالا.
بهذا التكريم الذي جعله الله تعالى لها أبطلت عادات وتقاليد سيئة مهينة كانت تعامل بها الأرملة عند العرب وعند غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، وقد كانت الزوجة في الجاهلية إن مات عنها زوجها تغلق على نفسها مكانا ضيقا في بيتها لا تخرج منه ولا تتنظف عاما كاملا، ثم بعد ذلك يرثها أحد أقارب زوجها، وكانت عند الهندوس تحرق مع زوجها أو تستعبدها أسرته طيلة حياتها، وعند اليهود لا عدة عليها ولا نفقة لها ولا ميراث، وتلزم بأن تتزوج من أكبر إخوة زوجها، فإن كان كبيرا وحاضرا فله أن يرفض الزواج بها أو يبتزها باشتراط التنازل عن مالها، وإلا بقيت معلقة طول حياتها. وإن كان صغيرا بقيت معلقة إلى أن يبلغ الثالثة عشرة من عمره، فتزوجها أو رفض الزواج بها وتعرضت للابتزاز في الحالين، وهو ما يعرف لديهم بشريعة الخلافة على الأرامل، وإن كان غائبا في بلد لا يسمح للأرملة بدخوله أو مفقودا لم تثبت وفاته بأدلة إثبات شديدة التعقيد لديهم ظلت معلقة طول حياتها، وإن جاء من يقول لها: مات زوجك ثم تزوجت بآخر، ثم عاد زوجها الأول بعد ذلك، فيجب أن تطلق من الإثنين، ويجب
(1) - امرأة حائل: لم تحمل.