فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 523

على أن في الترجيح بين المذهبين أو الجمع بينهما باعتبار وجوب المدة استبراءً وإحدادا معا، أو الجمع بين آيتي البقرة والطلاق أو عدم الجمع بينهما، مجالا للاجتهاد وسعةً لما تعالج به مثل هذه القضايا ويحقق حكمة الشارع ومقاصده ومراميه في حقوق زوجة المتوفى وحرمتها، وحقوق المجتمع وصيانته.

فإذا انقضت العدة بالأشهر أو بالوضع أو بأقصى الأجلين كان أمر الزوجة إليها، تلبس ما شاءت من ثياب أو حلي وتتزين وتتعطر وتتخضب من غير تبرج أو اختلاط بأجنبي عنها، وتتزوج بمن ترضاه زواجا شرعيا بأركانه المعهودة، وليس عليها ولا على أوليائها أو المجتمع كافة أي إثم أو حرج في ذلك، لقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} والجناح هو الإثم والحرج، أي لا إثم فيما يفعلن إذا لم يخالف أحكام الشرع في المرأة غير المعتدة.

ولأن مآل زوجة المتوفى إلى زواج في غالب الأحيان، فقد تطرق الشرع في هذه الحالة لتنظيمها وضبطها بما يحفظ الحرم والحقوق ويكبح جماح الأهواء، لا سيما والمرأة الخَلِيَّة عادة مطمح للرجال، فقال تعالى فيمن يضمر خطبتها: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء} . والتعريض لغة هو التلويح والتورية والإيماء من غير تصريح أو كشف أو إظهار، أي لا إثم على من ينوي الزواج بها في الإشارة لوليها أو بعض أهلها تعريضا بنيته من دون تصريح في فترة عدتها وإحدادها، كما لا إثم بما أضمر في نفسه من عزم على خطبتها {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ} .

والخطبة بضم الخاء ما يوعظ به من قول كخطبة العيدين والجمعة، وبكسرها طلب النكاح، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) ، وهي على ثلاثة أقسام:

جائزة تصريحا وتعريضا، في حق من يجوز نكاحها ممن لسن في عصمة أزواج، ولسن في عدة.

ومحرمة في حق من في عصمة الزوجية والمطلقة رجعيا.

وجائزة تعريضا لا تصريحا في حق المعتدة من وفاة زوجها.

ولئن كان التصريح بالخِطبة في العدة علانية محرما، فإن إعلان المرأة ومواعدتها بها سرا أولى بالتحريم لما في ذلك من معان للختل والخيانة لا تخفى على العقلاء، قال تعالى: {عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} أي أن صريح مواعدة المعتدة في الوفاة سرا محرم قطعا، وليس لكم {إِلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا} ، والقول المعروف المباح هو التعريض والتلويح ولطيف الإشارة وخفي العبارة بما لا يخدش المروءة وحرمة العدة والإحداد.

ثم حدد عز وجل زمن التصريح بالخِطبة وإنجاز عقد النكاح فقال: {وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} أي لا تصمموا على عقد نكاح المتوفى عنها زوجها ولا تنجزوه إلا إذا انقضت العدة المكتوبة واستوفت أمدها ومدتها وأجلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت