فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 523

والآية بمجملها صريحة في تحريم الخطبة والنكاح في العدة، فإن وقعت المخالفة وعقد امرؤ على زوجة المتوفى في عدتها فسخ النكاح اتفاقا دخل بها أو لم يدخل، فإن دخل بها زيد في مدة العدة استبراء، وحرمت عليه في الحالين حرمة مؤبدة عند مالك وأحمد والشافعي معاملة له بنقيض قصده، بذلك قضى عمر رضي الله عنه, وعند غيرهم له أن يتقدم لخطبتها كسائر الناس بعد انقضاء عدتها لأن الحرمة لا تقوم إلا بدليل من الكتاب والسنة وليس في المسألة شيء من هذا، وقد روي أن عليا كرم الله وجهه أنكر على عمر حكمه فيها وأن عمر رجع عنه، فيما روي عن ابن المبارك عن أشعث عن الشعبيّ عن مسروق قال: بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من قريش تزوّجها رجل من ثَقِيف في عدّتها فأرسل إليهما ففرّق بينهما وعاقبهما وقال: لا تنكحْها أبدًا، وجعل صداقها في بيت المال، وفشا ذلك في الناس فبلغ عليًا فقال:"يرحم الله أمير المؤمنين ما بال الصداق وبيت المال؟ إنما جَهِلَا فينبغي للإمام أن يردّهما إلى السنة"، قيل: فما تقول أنت فيهما؟ فقال:"لها الصداق بما اسْتُحِلّ من فرجها، ويفرّق بينهما ولا جلد عليهما، وتكمِل عدّتها من الأوّل، ثم تعتدّ من الثاني عدّة كاملة ثلاثة أقراء ثم يخطبها إن شاء". فبلغ ذلك عمر فخطب الناس فقال:"أيها الناس، ردّوا الجهالات إلى السنة".

وختم عز وجل تشريع عدة المتوفى عنها وخطبتها وزواجها بتهديد صريح حاسم من المخالفة مذكرا بأنه تعالى يعلم خفايا نفوس المعتدات والراغبين في نكاحهن فقال: {وََاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} فليحذروا غضبه وعقابه {فَاحْذَرُوهُ} وإن زلت بكم الأقدام فعجلوا بالتوبة والرجوع إلى الشرع الحكيم {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} يقابل ذنبكم الذي تتبعه التوبة بالمغفرة والحلم والعفو.

ثم انتقل الوحي الكريم إلى التشريع لصنف آخر من أصناف المفارقة هو طلاق الزوجة قبل المسيس أي قبل الدخول بها بعد العقد عليها، فميز بين حالتين:

أولاهما الطلاق قبل المسيس، وقبل أن يعين قدر صداقها، قال تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} ، كما في نكاح التفويض مثلا وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصداق، ثم يفرض بعد ذلك الصداق، ولا خلاف في جوازه، والمسيس هو المباشرة دخولا بالزوجة، ومنه قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء} آل عمران 47، والفريضة ما يجب في الزواج من المهر، فإن طلقها قبل الدخول وقبل تسمية مهرها، فلا إثم عليه من عدم تسمية المهر، ولا عدة عليها، ووجب لها عليه المتعة بالمعروف لقوله تعالى عقب ذلك: {وَمَتِّعُوهُنَّ} والمتعة في هذه الآية عطاء واجب من مال الزوج لمطلقته رفع عطاء آخر واجبا هو الصداق، ثم بين عز وجل مقدار المتعة فقال: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} أي على قدره ومنزلته سعة وغنى أو فقرا وإقتارا، وقد اختلف الفقهاء في تحديد أقلها وأكثرها، إلا أن ذلك منهم تحكم لا يستقر مكانا أو زمانا، لتغير الأحوال الاقتصادية والاجتماعية بين كل شعب وآخر وزمن وغيره،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت