لذلك ترك الله تعالى تحديد مقدار المتعة لظروف وسع الإنسان وطاقته وما تجود به أخلاق التكارم والتعافي والتسامح بين الزوجين. قال ابن عباس:"الرجل يتزوّج المرأة ولم يسمّ لها صداقا ثم يطلقها من قبل أن ينكحها، فأمر الله سبحانه أن يمتعها على قدر عسره ويسره"، وقال مالك:"ليس للمتعة عندنا حدّ معروف في قليلها ولا كثيرها". وفي كل الأحوال هي حق للمطلقة واجب على المطلق، إن أداها كان محسنا وإن تحايل لحرمان الزوجة منها كان آثما مسيئا غير محسن في فعله، لقوله تعالى: {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} متاعا: مصدر مؤكد لفعل الأمر في قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} ، كان به حكم المتعة واجبا {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} وجب عليهم بمقتضى ما يفرضه إحسان الطاعة لأمر الله تعالى. قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} الأحزاب 49.
فإن لم يطلق الزوج ومات قبل المسيس وقبل تسمية الصداق فلها صداق المثل والميراث وعليها العدة، عند الشافعي وأبي حنيفة خلافا لمالك، حجتهما ما أخرجه النسائي صحيحا عن ابن مسعود (أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات، قال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق - امرأة منا - مثل ما قضيت، ففرح ابن مسعود رضي الله) .
أما الحالة الثانية من حالات الطلاق قبل المسيس فهي أن يكون الزوج قد سمى الصداق وعين قدره، وفيها يقول تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} ، أي إن كان الطلاق بعد فرض الصداق وقبل المسيس، فلها نصف الصداق لما لحقها في حل عقدة النكاح من أذى.
وختم عز وجل أحكام الطلاق قبل المسيس وقد أمر بالإحسان إلى المطلقة قبل فرض الصداق بالمتعة وبعد فرضه بنصفه، داعيا المطلق والمطلقة إلى حسن التصرف بالتعافي والتسامح، حفاظا على أصل المودة الواجبة بين عموم المسلمين لا يكدرها خلاف قد يعقبه صلح وألفة، أو نزاع طارئ قد تهدأ شِرَّتُه، فقال تعالى: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} أي أن للمرأة أن تعفو فتتنازل عن حقها في نصف الصداق، وللرجل أيضا - وهو الذي بيده عقدة النكاح - أن يدع الصداق كاملا لها، والتعافي في هذه الحالة أقرب للتقوى والعمل الصالح {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ، ثم توج هذا التشريع الحكيم بنصيحة تحفظ تماسك المجتمع المسلم وكيانه فقال عز وجل: {وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} . قال الشافعي:"فجعل الله للمرأة فيما أوجب لها من نصف المهر أن تعفو، وجعل للذي يلي عقدة النكاح أن يعفو، وذلك أن يتم لها الصداق، وبين عندي في الآية أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج وذلك أنه إنما يعفو من له ما يعفوه"، ثم ساق الكلام إلى أن قال:"وحض الله على العفو والفضل، فقال: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} "، قال:"وبلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: الذي بيده"