فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 523

إنها صورة كالحة جافة لقلوب قاسية صفوانية صلدة يسترها الرياء والتسميع، ينقشع عنها تراب المراءات، فتنكشف حقيقتها ويبدو خسرانها، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} النور 39، تقابلها صورة أخرى لقلوب ندية بالإيمان رضية بما عند الرحمن، واثقة بربها ثابثة على دربها، لم يستعبدها درهم ولا دينار، ولم تأسرها خضرة الدنيا وحلاوتها، ولا بريق الأهواء وفتنتها. يعرضها القرآن الكريم تشويقا لحارث الدنيا إلى زرع الآخرة ونعيمها، في مشهد حسي يربط المبدأ بالمآل ويغني السائل عن السؤال، يقول تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ} طلبا لرضا الله عنهم {وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ} يقينا وتصديقا بأن ما ينفقونه خير وأبقى مما احتفظوا به أو كنزوه، وأن الله يربيه لهم وينميه فيجدونه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} بستان {بِرَبْوَةٍ} الربوة بفتح الراء وضمها هي الأرض المستوية المرتفعة عن سطح الماء تسقى بالمطر تجمع بين جمال الموقع وخصب التربة، إن أصابها مطر غزير تضاعف إنتاجها وإن أصابها رذاذ من المطر أغنت بما أثمرت {أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} أضعفت ثمرها ضعفين حين أصابها المطر الغزير، {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} الطل هو النَّدَى والليِّن من المطر، والرذاذ منه، إن اصابها ضوعف إنتاجها بإذن ربها كذلك. ويختم تعالى هذه الآية تذكيرا للمؤمنين بأن أعمالهم كلها محصية بقوله عز وجل: {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، أي والله تعالى يراقب تصرفهم فيما رزقهم {فَيَنْظُرَ كَيْف تَعْمَلُون} الأعراف 129.

إن المؤمن بعيد النظر، يعمل في قوَّته ليوم ضعفه، وفي غناه ليوم فقره، وأن يتعب في مبدأ أمره وينعم في منتهاه خير له، لذلك نجد الوحي الكريم يوسع دائرة بعد النظر لديه تبصرة وتذكيرا وتحذيرا، وتقريبا للفهم بالأمثلة الحسية من حياته اليومية، بنفسه الغالية وأبنائه الأغلى، وبأحب ظروف الرفاه والراحة والغنى لديه، هل يطيق أن ينقلب حاله إلى الفقر والخصاص وضعف الذرية عن الكسب في شيخوخته وعجزه؟ هل يرضى هذا المصير أو يصبر عليه؟ يقول تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} أيحب عاقل أن يكون مصيره مصير الغني الذي له بستان فيه من كل الثمرات ينعم به كيف يشاء، {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء} أدركته الشيخوخة والعجز عن العمل والكسب، وله على عجزه ذرية ضعفاء عن الكسب والعمل، {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} والإعصار هو الصاعقة ذات الشحن الكهربائة العالية تحرق ما أتت عليه، أي وبينما هو على هذه الحالة أصابت الصاعقة مصدر معيشتهم الوحيد وهو البستان، فأحرقته، وتركتهم في الفقر والخصاص والبؤس والحزن، وهو مصير مبتئس ينبغي لكل امرئ أن يتعظ به ويستعيذ بالله منه، قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني و انقطاع عمري) . بمثل هذه الأمثال والعظات يبين الله تعالى للمؤمنين آياته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت