فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 523

وأحكامه ويهديهم إلى العمل الصالح ليتفكروا ويتدبروا ويختاروا الأهدى والأبقى والأرضى {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} .

كذلك حال الذي يأتي الله تعالى يوم القيامة وله أعمال صالحة هو في أشد الحاجة إليها فيلفي الرياء أحرقها، والمعاصي محقتها والذنوب دمرتها ويجد ما قدم للآخرة سرابا خادعا ووهما مضللا، ووجد الله عنده فوفاه الجزاء، عن ابن عباس قال: (ضرب الله مثلا حسنًا، وكل أمثاله حسنٌ تبارك وتعالى. قال: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ} إلى قوله تعالى: {فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} يقول: صنعه في شبيبته، فأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون عليه. وكذلك الكافر يوم القيامة، إذا رُدّ إلى الله تعالى ليس له خيرٌ فيستعتب، كما ليس له قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجد خيرًا قدم لنفسه يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحُرِم أجره عند أفقرِ ما كان إليه، كما حرم هذا جنته عند أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته. وهو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فيما أوتيا في الدنيا: كيف نجَّى المؤمنَ في الآخرة، وذخر له من الكرامة والنعيم، وخزَن عنه المال في الدنيا، وبسط للكافر في الدنيا من المال ما هو منقطعٌ، وخزَن له من الشر ما ليس بمفارقه أبدًا، ويخلد فيها مهانًا، من أجل أنه فخر على صاحبه، ووثق بما عنده، ولم يستيقن أنه ملاق ربه) .

إن وفرة الرزق وقلته مجرد اختبار في الدنيا لمدى شكر الناس وصبرهم أو جحودهم وجزعهم، وحكمة الله تعالى تختار للابتلاء بأي منهما من تشاء، الفقر والغنى ليسا دليلا على إكرام من الله أو إهانة، والإكرام والإهانة موعدهما يوم القيامة، ولئن كان الفقر فتنة لبعض الناس فإن الغنى أشد فتنة لأكثرهم، قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} سبأ 13، وقال: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} الشورى 27، وقال: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} الإسراء 16. وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: (فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) .

لذلك حذرت السنة النبوية من فتنة الغنى وبينت أن الفقر قد يكون دليل محبة الله للمؤمن في كثير من الحالات، قال صلى الله وسلم فيما صح من أحاديثه:

-إذا أحب الله عز وجل عبدا حماه الدنيا كما يَظَلُّ أحدُكم يحمي سقيمه الماء.

-إن الله عز وجل ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب.

-إن الدنيا خضرة حلوة فاتقوها.

-إحذروا الدنيا فإنها خضرة حلوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت