ولم تكن مصادفة أو سوء في التقدير أن يسعى الشيشاني الشهير شامل باساييف، ونائبه العربي الأصل المعروف باسم"خطاب"، إلى تأسيس قاعدة مستقلة جديدة في المناطق الجبلية من جمهورية داغستان عن طريق غزوها في صيف عام 1999 بقوات تضم ما يراوح بين 300 و 500"مجاهد". وقد كان أول أهداف هؤلاء الاستيلاء على عدة قرى في منطقة بوتليخ، التي كانت قد قررت اعتاد الشريعة الإسلامية لإدارة شؤون الحياة فيها. أما الهدف الاستراتيجي الأكبر فهو توحيد الشيشان وأجزاء من داغستان في دولة إسلامية واحدة تمتلك منفذ إلى بحر قزوين، فيكون لها بذلك حضور بارز على الصعيد الدولي. (32) بيد أن هذا الغزو المسلح جابه ردا مضادة في داغستان التي لم تكن ترى في باساييف وخطاب سوي مغامرين پريدان تقويض ركائز توازن القوى القائم ما بين الفصائل الإثنية - السياسية. فكان أن ترجم هذا الرد إلى مقاومة مسلحة قوية، ما ساعد القوات الروسية على إجهاض الهجوم في غضون ثلاثة أسابيع من العمليات القتالية المكثفة، وإن كانت إلى حد ما غير ذات جدوى. (33)
وهكذا، فقد صار بإمكان موسكو، بفضل هذا الانتصار الذي تحقق على المستوى المحلي، عشية حرب الشيشان الثانية، أن تنفذ خطتها الاستراتيجية الرامية إلى فرض طوق العزلة على الشيشان، وإعادة تنظيم جميع خطوط اتصالاتها الرئيسية في كل أرجاء منطقة القوقاز حول ذلك"الثقب الأسود". ولعل ما يكتسب أهمية استثنائية، في هذا الخصوص، هو خط سكك الحديد المتجه إلى أذربيجان عبر داغستان، وخط الأنابيب النفطي الفرعي الجديد الذي يصل باکو بميناء نوفوروسيسك، من دون الحاجة للمرور عبر الأراضي الشيشانية. وإذ جرى بالفعل إقامة بنى تحتية كهذه، فقد وجهت للقوات الروسية أوامر بتدمير المصافي والخطوط النفطية في الشيشان (بل حتى المعهد النفطي في العاصمة غروزني) إلى الحد الذي يتعذر عنده إصلاحها؛ في حين أن هذه المنشآت كانت في منأى من الأذى قدر الإمكان خلال حرب الشيشان الأولى. (34)
ومع ذلك، فإن"مر"النقل الجديد هذا لم يضف قدرا كبيرا من الأهمية الاستراتيجية الداغستان. فالقواعد الخلفية المهمة للعمليات الحربية في الشيشان كانت تقع في أوسيتيا