القدرات والالتزامات العسكرية الموروثة. ولكن، ومن خلال استعادة الأحداث الماضية والتأمل فيها، فإن ما تحقق خلال التسعينيات من إزالة للمظاهر العسكرية بصورة جذرية عن بنية الدولة يمكن أن يشار إليه بالتقدير، لأنه كفل تفادي كثير من الانتكاسات والأخطاء الفادحة التي كانت ستبر كثيرا ما وقع منها في الشيشان.
وفي غضون أشهر قلائل من عام 1992، أمكن تبديد الأوهام التي أحاطت باحتال الاحتفاظ بقيادة موحدة للقوات المسلحة السوفيتية التي كانت تدار بمركزية شديدة؛ وذلك بعد أن عمدت الدول، التي نالت استقلالها فجأة، إلى"تأميم"و"خصخصة"ما كان قد أقيم على أراضيها من تشكيلات وبنى تحتية عسكرية، فكان أن وجد يلتسين نفسه أمام حاجة ملحة لإنجاز مهمتين اثنتين على درجة عالية من التعقيد. الأولى تقضي بأن
سحب إلى الأراضي الروسية تلك الأصول والقدرات العسكرية التي كانت تخضع السيطرة موسكو عليها وقت وجودها في ما كان يعرف ب"الخارج القريب"، بما في ذلك عشرات الآلاف من عناصر القوات العسكرية المتمركزة في أذربيجان ودول البلطيق، ومئات الأسلحة النووية في روسيا البيضاء وكازاخستان وأوكرانيا. والثانية هي تقليص المؤسسات والهياكل العسكرية الموروثة إلى المستوى الذي يمكن عنده مدها بأسباب البقاء من الناحية الاقتصادية خلال مدة الركود المدمر.
وكان ممكنا يومذاك النهوض بمهمة إعادة تنظيم القيادة العليا، وربما كان يمكن أيضا من الناحية العملية، وابتداء من نقطة الصفر، بناء منظومة جديدة تضم عناصر مدنية و سياسية لتتولى مراقبة هذه المؤسسة التي اعتادت، تقليدية، التصرف بصورة مستقلة. غير أن يلتسين، مع ذلك، آثر تبني النهج السوفيتي القديم الذي كان متبعة في وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة؛ بل وتفادي حتى تطبيق التدابير والإجراءات الملحة الكفيلة بتيسير أداء هذه البني الفوقية البيروقراطية المترهلة، التي تتشابك فيما بينها من الناحية الوظيفية والمهنية، وزيادة فاعليته. وجاء خياره هذا أساسا بدافع من رغبته في ضمان ولاء كبار ضباطه له، والذي كان يمثل في تقدير يلتسين (انطلاقا من إحساسه السياسي الفطري