ولا بد من الإشارة هنا إلى صعوبة تحديد اللحظة التي استنفدت فيها الثورة زخمها وقوة دفعها، والتي أشرت أيضا إلى عودة سياسة"حافة الهاوية النووية"- وإن كانت في معظمها من النوع الافتراضي"- إلى الظهور من جديد. ومن المؤكد تماما أن أحد التأثيرات الرئيسية في هذا الشأن هو المناورات السياسية المكثفة التي جرت مع بدء حرب العراق التي أحدثت تحولا في المتغيرات الرئيسية ذات الصلة بتقويم الأخطار الاستراتيجية. والمشكلة هنا لا تتمثل في أن التسويغ الأمريكي لتدخل واشنطن قد استند إلى حجة وجود برنامج سري واسع النطاق لإنتاج أسلحة تدمير شامل، ولكن إلى الافتراض، المقنع نوعا ما، القائل بأن صدام حسين كان سيظل آمنة ضد أي تهديد خارجي في حال صارت في حوزته بضعة أسلحة نووية. وقد جاء سحق جيشه الضخم سريعة على أيدي القوات الأمريكية ليرسخ الاعتقاد السائد في هذا الاتجاه ومفاده أنه لا شيء غير قوات الردع النووية يمكن أن يضمن لروسيا حماية أمنها. وكان أول ما انعكست فيه هذه الاستنتاجات هو خطاب بوتين في أيار/ مايو 2003 في البرلمان، الذي شدد فيه على القول بأن «العمل ماض أيضا في بناء أنماط جديدة من الأسلحة الروسية، أي جيل جديد يشتمل على ما يصفه الخبراء المتخصصون بالأسلحة الاستراتيجية؛ وهي التي ستضمن لروسيا وحلفائها امتلاك قدرات دفاعية في المنظور البعيد المدى» (Putin, 2003 a) ."
وحيال هذه العبارات المبهمة، لم يكن أمام الخبراء المعنيين غير التكهن بنوعية الأسلحة التي ستحظى بالأولوية، فإما هي النووية وإما التقليدية المتطورة (2004 , Gottemoeller) . وتخميناتهم هذه تلقت دافعة جديدة تمثل في تقرير مجهول المصدر تناول التدهور الخطير في قوة الردع النووية الروسية، وصار مادة لتعليقات مطولة نشرتها صحف الإثارة (التابلويد) التي تصدر في موسكو (9) . غير أن نقطة التحول الحقيقية على مسار الاهتمام بالمسائل النووية على الصعيد السياسي برزت للعيان بعد أشهر قلائل عندما عرضت وزارة الدفاع رؤية جديدة تضمنتها وثيقة (بصيغة"كتاب أبيض") شرت تحت عنوان"مهام آنية لتطوير القوات المسلحة للاتحاد الروسي". (10)