أيلول / سبتمبر 2002 (وهو توقيت لم يأت مصادفة) ، وجه بوتين إنذارة لجورجيا مطالبا إياها بإخضاع محمر بانکيسي لكامل سيطرتها، أو مواجهة عمل عسكري روسي أحادي الجانب. (31)
وفي الحال، ناشد شيفرنادزه المجتمع الدولي التضامن معه؛ وحين دخل الرئيس بوش في جدال مع الرئيس بوتين محاولا ثنيه عن قراره، لم يكن أمام هذا الأخير غير التراجع بشكل مهين عن موقفه الذي كان قد تعهد باتخاذه، وذلك بعد استعراض مخيب للآمال لما في متناول يده من تدابير وإجراءات لم يتم الكشف عنها بصراحة ووضوح» (32) . وفيما كان"يبتلع"تهديداته الفارغة، كان عليه أيضا تكييف خطابه الحاد مع الواقع الاستراتيجي الفعلي الصعب، بعد أن أبلغته هيئة الأركان العامة أن غارة تشنها قوات محمولة جوا يمكن أن تتحول إلى ما يشبه الكارثة، وأن الضربات الجوية التأديبية هي الخيار"المأمون"الوحيد (Khodarenok, 2002 b) . ومرة أخرى يتم توظيف إمدادات الطاقة لمعاقبة"الخائن"شيفرنادزه؛ ولكن هذا الأخير تمكن من الصمود شتاء آخر من النقمة والاستياء، وإن كان ذلك الشتاء - كما سيتضح فيما بعد- هو الأخير من"فصول"وجوده في السلطة.
وفي سياق تقويض دعائم القيادة الجورجية بكل الوسائل المتاحة لها، لم تكن موسكو التتوقع مطلقة وصول فريق جديد إلى السلطة يمتلك تفويض شعبية قوية، أو أكثر موالاة للغرب من شيفرنادزه. ولم يترك التكشف السريع لفصول الأزمة السياسية في جورجيا، التي بلغت ذروتها باقتحام الحشود الجماهيرية الغاضبة لمبنى البرلمان في الثاني والعشرين من تشرين الثاني / نوفمبر 2003، أي خيارات عملية وحقيقية، بالرغم من أن وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف كان قد ساهم في التفاوض بشأن شروط تنازل شيفرنادزه عن السلطة. وقد اقتصرت ردة فعل بوتين على الإعراب عن «قلق منطقي من أن انتقال السلطة في جورجيا قد وقع إزاء خلفية تميزت بضغوط شديدة لاستخدام القوة» . (33) ولم يمض سوى وقت قصير حتى تأكدت مخاوفه هذه، عندما حقق ميخائيل ساكاشفيلي انتصار ساحقا في الانتخابات الرئاسية، ولم يضيع هذا الأخير وقته فتحرك بقواته العسكرية ضد إقليم أجاريا، الذي أنفصل حديثا، بعد أن ظل خارج نطاق السيطرة الأمد