المستحيل كليا أن يجازف ساكاشفيلي بتضييع التفويض الشعبي الذي حصل عليه بإطلاق أكثر مما ينبغي من الوعود، وإقصاء الرموز المعتدلة من رجال المال والأعمال، والسقوط في الهوة القائمة بين نخبة صغيرة موالية للغرب وشعب خائب الأمل.
ومع ذلك، فإن موسكو قد لا تستفيد كثيرة - إن هي استفادت أي شيء من أزمة تنشب بين النخب الجورجية في حقبة ما بعد الثورة؛ نظرا لظهور اتفاق سياسي واسع النطاق في الرأي داخل جورجيا على قوة التحدي الأمني الذي تثيره روسيا ضد استقلال البلاد. وما التصويت بالإجماع داخل البرلمان الجورجي، لصالح مسألة الانضمام لحلف الناتو بحلول آذار/ مارس 2007، إلا دليل على قوة هذا الاتفاق (38) . وعندما تبني سياسة تقوم على فرض العقوبات الاقتصادية وإطلاق التهديدات، فإن الكرملين كان في الواقع قد تخلى عن جميع المحاولات الهادفة إلى خلق أساس تستند إليه القوى الموالية لروسيا عن طريق رعاية شبكات التواصل العريضة بين المجتمعين.
ومن بين السمات الأخرى الأشد خطورة هذه السياسة التي ترتكز إلى الثقة المفرطة بالنفس، والمدعومة بقوة عسكرية كبيرة، غياب الآلية المؤسسية، أيا كان نوعها، القادرة على وقف الاندفاع المفاجئ نحو الحرب. وعلى الرغم من أن بوتين ليس قطعة ذلك المغامر المتهور، فإنه حين يجد نفسه محاطة بكثير من المحاربين"المتحمسين، من مختلف صنوف القوات المسلحة، و بالقليل جدا من الأصوات المستقلة التي تدعوه إلى الاحتكام إلى المنطق السليم، فإنه قد يجد ما يدفعه للذهاب إلى أبعد مما ينبغي، لتكتسب العمليات القتالية التي استندلع، من بعد، قواها الدافعة الخاصة بها. (39) "
ومع توالي التهديدات واحدة بعد آخر، لم يبق استعراض القوة الوسيلة التي تحقق الغاية السياسية، بل ممارسة يكمن المنطق الذي يقف وراءها في الحفاظ على مصداقية"القدرة على الإكراه"من خلال إضافة شيء من التصرفات الغريبة في كل جولة جديدة. ويجدر القول هنا إن مخاطر استخدام القوة على هذا النحو"الافتراضي"، وبقصد خدمة المصالح الذاتية، باتت تتزايد بشكل تدريجي مع بروز الحاجة إلى نشر المزيد من القدرات