فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 355

ومن خلال تفهم طبيعة الأحداث بعد وقوعها، يغدو بالإمكان القول بأن المراهنة على"قوة الغاز"كانت قد استندت إلى التقديرات المبالغ فيها إلى حد خطير لحجم الطلب المحتمل على الغاز من جانب الأسواق التركية. فدخلت غازبروم - بناء على ذلك - في عقود لامتلاك أصول جديدة في كل من رومانيا وبلغاريا وتطوير البنى التحتية فيها، سعيا منها لزيادة قدراتها على تجهيز إسطنبول بالغاز. ولعل المشروع الأهم في هذا الخصوص كان بناء خط أنابيب جديد، أطلق عليه اسم بلو ستريم (بطول 1400 کيلومتر) عبر البحر الأسود. ووقع الاختيار على شركة إيني الإيطالية لتكون شريک رئيسية في هذا المشروع الطموح، وعلى الرغم من المصاعب الجدية التي اعترضت أعمال البناء، وتزايد نفقاته بشكل مفرط بسبب الفساد الذي لا مفر منه، فقد اكتمل العمل في المشروع في الموعد المحدد له أواخر عام 2002. (37) وعلى أي حال، فإن إنجاز هذا الخط لم يضع حدا للمتاعب التي رافقته. فلم يكن الطلب على الغاز الطبيعي من جانب الطرف المتلقي کافية، كما تبين لاحق؛ إذ إن الأزمة الاقتصادية التي نشبت خلال عام 2001 قد تسببت في انكماش السوق التركية انکاش شديدا؛ فلم يكن أمام غازبروم إلا الدخول في مفاوضات مستفيضة حول خفض حجم صادراتها من الغاز وأسعاره. (38)

ومهما يكن، فقد استوجب تعثر الشركة على هذا النحو إجراء مراجعة مهمة بهدف إعادة ترتيب وسائل السياسة الروسية وغاياتها. فهذا المشروع الباهظ التكلفة، الذي كان يؤمل له أن يكون ورقة ضغط شديدة التأثير من أوراق السياسة الخارجية، قد تحول إلى عبء ثقيل؛ ولا بد للسياسات الرئاسية من التكيف باتجاه إنقاذ هذا"الفيل الأبيض"، وهو الوصف الذي يطلق على الأصول التي يجب أن تحاط بعناية ونفقات كبيرتين رغم ضالة عائدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت