سياسية طبيعية ثاقبة، فقد كان واعية خطر الوقوع ضحية لحملاته الدعائية التي تتحدث عن تنامي قوة"الحضارة"التي يعاد بناؤها. فهناك بين مسارات التفكير البراجماتية ذلك الذي ينطوي ضمنا على أن المبالغة في تصوير مدى قوة ثروات الطاقة وتأثيرها ستقوي حتا من توقعات عامة الناس بالحصول على مكافآت ذات طابع مادي؛ وذلك نظرا إلى أنه في إطار الأنموذج الروسي للحضارة، فإن الدولة التي صادرت الأصول والموارد الرئيسية من"الأوليغاركيين"الجشعين الأنانيين هي التي يرتجي منها السهر على راحة رعاياها الأوفياء وتلبية احتياجاتهم. (8)
واستجابة من بوتين لهذه التوقعات التي ربما سيصعب إشباعها مستقبلا، أعلن في أيلول/ سبتمبر 2005، وبشكل مفاجئ بعض الشيء، عن إطلاق أربعة"مشاريع وطنية"تقدر قيمة كل منها بمليار دولار، ولم تكن قد أدرجت في موازنة عام 2006 التي روعي في احتسابها الاهتمام الشديد بأدق تفاصيلها. وفي واقع الحال، فإن الميادين الأربعة التي استهدفتها هذه المشاريع، وهي التعليم، والرعاية الصحية، والزراعة، والإسكان، کانت تعاني بالفعل نقصا حادا في التمويلات المخصصة لها. لذا، فإن الأمر الرئاسي في «تركيز الموارد المالية والإدارية على تحسين نمط حياة المواطنين» (Putin, 2005 d) كان القرار الأكثر حصافة وتأثيرا. وفي الحال، صار ديمتري ميدفيديف، الذي أوكلت إليه مهمة تنفيذها، يوصف بأنه الخلف المعين لبوتين. ولكن ميدفيديف، وفي غضون ستة أشهر فقط، يتشكي من أن الفساد، وغياب الانضباط الإداري، قد أحالا تلك المشاريع إلى «مصدر خزي على المستوى القومي» (9) . وعلى الرغم من الحملات الدعائية الاستثنائية، التي اشتملت على تغطية تلفزيونية يومية، وإصدار جريدة خاصة، وإنشاء موقع إلكتروني / http: //rost. ru ، فإن الشكوك كانت تساور الرأي العام الروسي في هذا الخصوص. (10)
وكان أحد جوانب المشكلة يتمثل في أن أيا من هذه المشاريع الوطنية"الأربعة لم يجر التخطيط له وفقا للتعريف الأساسي للمشروع"؛ أي ذلك الذي يقتضي ضمن صياغة مزيج من الأهداف العملية القابلة للتطبيق، والموارد المقدرة، وجداول التقدم المتحقق في