وعند مفترق طرق كهذا، تصاعدت حدة الخلافات بشأن الغاز وأسعار مروره لتصل إلى مستوى المشكلة السياسية ذات الأولوية القصوى؛ ولتتجاوز من حيث أهميتها مشروع استخدام الروبل الروسي عملة موحدة للدولة الاتحادية، الذي أحيط بهالة إعلامية ضخمة، لتنتهي به الحال إلى التأجيل لأجل غير مسمى. واستبد بشركة غازبروم الغضب الذي ذهب بها في شباط / فبراير 2004 إلى حد قطع إمدادات الغاز المتجهة إلى روسيا البيضاء. غير أن لوكاشينكو كان قد عقد العزم على أن ينال مبتغاه، فاستدعى سفيره لدى موسكو، متهم روسيا بأنها «ممارسة للإرهاب على أرفع المستويات» (16) . وخلال أقل من 24 ساعة، عادت إمدادات الغاز للتدفق من جديد؛ وبذلك لا يبقى لدى زبائن غازبروم في بولندا ولتوانيا حجج رسمية لإطلاق الشكاوي
ولكن لوكاشينكو لم يكن يعتمد على ضغوط هاتين الدولتين فحسب، بل وكذلك على حقيقة أن تأسيس اتحاد مكتمل الجوانب مع روسيا البيضاء كان وقتئذ قد أصبح أمرا في غاية الأهمية بالنسبة للمفهوم الآخذ في النضج الذي وضعه الكرملين"للحضارة"الروسية. فالرئيس بوتين، الذي أعيد انتخابه، كان بحاجة إلى سند مرجعي قوي يدعم به موقفه الأيديولوجي ضد خطر الثورات المدعومة من الغرب الأخذ في التعاظم؛ وإن كان في الوقت نفسه يراهن أيضا على رحيل لوكاشينكو عن السلطة بانتهاء ولايته الثانية في أيلول/سبتمبر 2006. (17) بيد أن نظيره هذا لم يكن يخطط ليحيل نفسه على التقاعد، بل إنه توجه، برغم اعتراضات موسكو، للتعجيل في إجراء الاستفتاء الخاص بإلغاء الحد المقرر الأمد الولاية الرئاسية، والذي كان قد فرض خلال الانتخابات البرلمانية التي أجريت في تشرين الأول/ أكتوبر.2004 (18)
ومهما يكن، فإن اهتمام الكرملين كان في ذلك الوقت منصبة كلية على أوكرانيا؛ والصدمة التي خلفتها"الثورة البرتقالية"كانت عميقة إلى الحد الذي أوجب التخلي عن الوكاشينكو كي لا ينهار مشروع"الحضارة"الذي لحقت به أضرار بالغة. وفي أثناء قمة كانون الثاني / يناير 2006، تأكد من جديد أن القوة الدافعة لعملية توحيد البلدين قد