تعطلت تماما؛ ومن هنا، فقد بدا من المثير للسخرية أقوال"خبراء التقنية السياسية"تلك التي شددوا فيها على التزام الزعيمين التام بهذه العملية لولا أن الأجهزة البيروقراطية في البلدين والحديث مايزال لهم) تتعمد إبطاءها حفاظا على مصالحها الذاتية الأنانية. (19)
وانطلاقا من روح الثقة المتبادلة، طلبت موسكو من لوكاشينكو التعهد بضبط النفس في التعامل مع المعارضة خلال الانتخابات الرئاسية التي كانت ستجرى في آذار/ مارس 2006؛ غير أن مسيرات الاحتجاج التي طافت شوارع مينسك جرى قمعها بوحشية واضحة. فدفع هذا التصرف ببوتين إلى اللجوء إلى الوسيلة التي خال أن نجاحها مؤكد ولا سبيل إلى الوقوف بوجهها؛ فكان أن أعلنت غازبروم في الشهر التالي مطالبتها بثلاثة أضعاف السعر المتفق عليه (Socor, 2006 a) . ومع أن موسكو حاولت إضفاء طابع تجاري على الخلاف الذي تفجر بين البلدين، فقد كان من السهل على المرء أن يرى أن هناك وراء هذا"الإنذار التجاري"ما هو أكثر من مجرد الرغبة في جني أرباح أكبر، وتأكيد ملكية خط أنابيب بيلترانزجاز، والاستحواذ على أصول وقدرات صناعية إضافية.
ومن الواضح أن الكرملين، بعد أن خلص إلى أن لوكاشينكو يمثل العقبة الرئيسية على الطريق إلى التكامل والاندماج الحقيقيين، قد قرر وضع حد"لمعجزته الاقتصادية"التي أقامها كلية على مبدأ توفير إمدادات الطاقة بأسعار رخيصة (20) . وعلى أي حال، بدا واضح أن بوتين كان قد اكتشف حاجة مشروع"الحضارة"بشكل ملح لتحقيق اختراق فعلي وقاطع، وذلك بعد أن أخفقت حملات العلاقات العامة الصاخبة (التي رافقت قمة ستريلنا) في ضمان الدعم الذي كان يؤمل أن تحققه لهذا المشروع. وعلى الرغم من أن أعضاء حاشيته كانوا على اقتناع بأن لوكاشينكو أمسى في وضع تفاوضي ميئوس منه، فقد كان عليهم الإقرار بأنهم، على مضمار بناء دولة الاتحاد، قد خسروا كل أوراق الضغط والتأثير التي كانوا سيستخدمونها في التعامل مع هذا الحليف"الوفي"، وبأنه سيتعين عليهم التغلب على المقاومة الجدية المتوقعة من جانب النخب البيلاروسية التي ترتبط فيها بينها بأواصر وثيقة للغاية. (21)