ومهما يكن من أمر، فقد كانت لدي لوكاشينكو من الأسباب الوجيهة ما يدعوه للوثوق بصلابة موقفه. فهو قد افترض أن موسكو، بعد"حرب الغاز"التي خاضتها مع أوكرانيا في مستهل عام 2006، لن تجازف بقطع إمدادات الغاز المارة عبر أراضي روسيا البيضاء، خوفا من ردات فعل زبائنها الأوربيين، الذين لن يهبوا لنجدته قطعة، ولكن مصالحهم ستصبح عرضة للخطر. وقد كان من دواعي سرور بوتين البالغ أن يوافق لوكاشينكو في اللحظة الأخيرة على تسوية وسط فيما يتعلق بإمدادات الغاز، بيد أن مظاهر البهجة في الكرملين تحولت إلى إحساس بالمرارة عندما فرضت مينسك رسوما جمركية على مرور النفط الروسي عبر أراضيها؛ فأجبرت بذلك شركة ترانز نيفت على وقف ضخ إمداداتها النفطية، ولتشعل بالتالي فتيل"حرب نفط"
جديدة. وهنا، أعلن بوتين (Putin, 2007 b) ، وقد تملكه الغضب، أن الثمن الذي دفعته روسيا
بسبب"صفقة الغاز"تمثل في خسارة أرباح تصل إلى 3.3 مليارات دولار، وهي التي اعتبرت دعم مباشرة لزملائنا في روسيا البيضاء». وتراجعت مينسك من جانبها خطوة إلى الوراء؛
ولكنها تقدمت بعد ذلك بمطالب جديدة من بينها منحها قرض من دون فائدة بقيمة 1.5 مليار دولار (2007 , Privalov) .
لم يكن لوكاشينكو يريد إثبات قدرته على اتخاذ مواقف متعنتة فحسب، ولكن لكي يستغل بشكل مباشر التضارب الواضح في السياسة الروسية ما بين مصالح اقتصادية محدودة، ومصالح قومية"أخوية"يمكن تحسسها بوضوح شديد، على رغم غموضها. وهذا التضارب هو الذي استحال على روسيا بسبه تحقيق انتصار صريح (22) . وكان يعلم أيضا أن ما عرف بخطة أنشلوس تحظى بشعبية أكبر في روسيا (حيث مازال 70% تقريبا من السكان يؤيدون تعزيز عملية التقارب بين البلدين) مما هي في روسيا البيضاء، حيث تتأصل بشكل عميق الهوية القومية المستندة إلى مبدأ الحوار مع"الأخ الأكبر"Social- political ')
وفي هذا الشأن، خلص بوتين إلى أن كل تحرك عنيف من جانب موسكو جاء مضادة الخيارات الرأي العام المحلي، وأثار ردات فعل حادة ومعاكسة في روسيا البيضاء، فألحق