وفي بادئ الأمر، سعي بوتين إلى إرساء سياسته على أساس ذي قدر أكبر من البراجماتية، والإصرار على حسم مشكلة ديون الغاز الأوكرانية، والتوصل إلى آلية تضمن دفعات ثابتة تغطي صادرات الغاز الروسي ومروره عبر أراضي أوكرانيا. وقد بلغت هذه الجهود ذروتها في الاتفاق الثلاثي الذي تم التوصل إليه في حزيران/يونيو 2007 بين روسيا وأوكرانيا وألمانيا على تأسيس کونسورتيوم دولي يتولى إدارة خطوط أنابيب الغاز، وإن لم يوضع الاتفاق موضع التطبيق على الإطلاق. (24)
وقبيل انتهاء عام 2003، تحولت السياسة الروسية حيال أوكرانيا عن البراجماتية إلى بناء اتحاد ذي أسس أيديولوجية، حيث لم تكن صادرات الطاقة لتشكل مشكلة فنية يتم تذليلها عبر المباحثات والحلول الوسط، ولكن أداة ضغط يراد بهادفع هذا المشروع السياسي إلى أمام. ويعزى هذا التحول في أحد أسبابه إلى تقويات خرجت بها موسكو المفترق الطرق الذي كانت أوكرانيا تتجه صوبه، والذي رأى فيه أوليكس هاران Olexiy) (2002 ,Haran «إما ثورة مخملية وإما اقتباسا للنموذج البيلاروسي(البلروسة) » .
ولكن في الأغلب الأعم، فإن هذا الاندفاع نحو التدخل في عملية تبني الخيار أو تقريره، عند مفترق الطرق هذا، كانت تقف وراءه تطورات داخلية في روسيا، حيث الاستعدادات كانت تجري للوصول"بديمقراطية بوتين السياسية"إلى مرحلة"العظمة"، فيما كانت أوكرانيا تتجه لتصبح حالة اختبار حاسمة لهذه العملية. ويبرز الشاهد الرئيسي لهذا التحول في الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين روسيا البيضاء وكازاخستان وروسيا وأوكرانيا في أيلول/ سبتمبر 2003، وأحيط بهالة واسعة من الدعاية والإشادة، على إقامة ما عرف أنه"الفضاء الاقتصادي المشترك"، وكان واضحا أن هذه الأخيرة تشكل التابع الرئيسي الذي يدور في فلك الهيمنة الروسية. (25) وما كان هذا"الفضاء"ليخلو من فضائل و منافع على الصعيد العملي؛ فهو قد مكن الشركات الروسية، على سبيل المثال، من المشاركة في مشاريع الخصخصة الضخمة في أوكرانيا. بيد أن أيديولوجيا"التوحيد"، واستراتيجية"المواقف المشتركة"ضد "الانتهاكات الغربية، كانت لها الغلبة بشكل واضح داخل هذا"الفضاء"؛ الأمر الذي أحاله إلى "منظمة من ورق" (Moshes, 2004 b) ."