وتركز النهج الجديد الذي اختطه بوتين لنفسه على ضمان التناغم التام بين النظامين السياسيين في كل من أوكرانيا وروسيا. ومن هنا، فقد تحولت الانتخابات الرئاسية في الأولى، والتي أجريت خلال شهري تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني / نوفمبر 2004، إلى معركة من طراز معارك ستالينجراد، حيث الثمن أكبر مما ينبغي للانتصار الذي يحصد فيه الفائز كل شيء. وأيا كانت النتائج، فإن تفجر الاعتراضات الشعبية على نطاق واسع ضد تزوير الانتخابات (والذي أخفق"فريق العمل الخاص"الذي شكله الكرملين في التنبؤ به) قد جرى تصويره وتحليله بكل وضوح واستفاضة من زوايا مختلفة ومتنوعة، ناهيك عما أفرزته هذه الاعتراضات من روايات وقصص تدخل في عداد الأساطير. (26)
غير أن الجانب المهم الذي ينبغي التأكيد عليه هنا هو المناورات السياسية البراجماتية، الهادفة إلى ضمان الاحترام التام لمصالح روسيا الاقتصادية (وفي مقدمها تلك المتعلقة بالطاقة) ، أي يكن الفائز؛ في حين أن مسار التحرك الأكثر عقلانية بالنسبة لموسكو - على ما يبدو- لم يكن له حضور في استراتيجية بوتين الرامية إلى تأكيد قوة"الحضارة"الروسية. فالمصالح ذات الصلة بالطاقة قد جرت التضحية بها، في واقع الحال، عن وعي وتصميم مقابل الفوز بعائد سياسي ثانوي، وذلك عندما تم في مطلع شهر آب/ أغسطس 2004 التوقيع على اتفاقية تقضي بيع الغاز لأوكرانيا بسعر ثابت (50 دولار لكل ألف متر مکعب) على مدى السنوات الخمس اللاحقة. (27)
وكان لا بد من مضي بضعة أشهر كي يتسنى للكرملين ابتلاع الهزيمة الشخصية المدمرة المذلة التي ألحقتها حشود الجماهير المبتهجة في العاصمة الأوكرانية كييف، والتي ارتدت حلة"برتقالية"اللون"باستراتيجية بوتين الكبرى". ولم يحدث إلا في أواخر آب / أغسطس 2005 أن أعلن مسؤول في الكرملين (لم يشأ الإفصاح عن هويته) عن تغييرات جذرية في سياسة الكرملين حيال"فضاء"ما بعد السوفيتي؛ ما يعني بالتالي أن النضال، الذي جرى خوضه دونيا قواعد، ينبغي أن يدار الآن"بأسلوب متحضر".