وحين عاد الكرملين في خريف عام 2006 ليولي اهتمامه للقضية الأوكرانية، خلصت"تقويمات المخاطر"التي أجرتها موسكو إلى محصلة نهائية لم تكن متوقعة إلى حد كبير؛ وتلك هي أن الزيادة المفروضة على أسعار الغاز عادت بالنفع على الاقتصاد الأوكراني الذي استعاد عافيته بعد موجة الركود الذي أعقب الثورة، وحقق نموا كبيرة. بل إن خبراء الاقتصاد الروس صاروا يتحججون بأن هذا"الاختبار"قد أثبت الحاجة إلى مضاعفة أسعار الغاز المحلية، وهو أمر مايزال فريق بوتين يعده تجربة بعيدة الاحتمال، على الرغم من الضغوط التي مارستها غازبروم بهذا الاتجاه (2006 , Gavrilenkov) . ومرة أخرى، فقد كان من الممكن أيضا تضييق خناق الطاقة على أوكرانيا، وتعويق نموها"غير الطبيعي"، بيد أن شيئا كهذا كان سيتطلب أو حسم علاقات"الغاز" (التي بنيت وفقا المعايير"السوق") مع روسيا البيضاء؛ بعد أن تبين أن هذه الأخيرة، كما عرضنا آنفا، أكثر ميلا لإثارة المتاعب مما كان يتوقع أعوان بوتين.
وعاد الكرملين على مضض ليصرف اهتمامه عن أوكرانيا؛ لأن التعلل بالأفكار الإثبات"عظمة"روسيا عن طريق توسيع نطاق سطوتها، ليضم مناطق من دولة سيئة الطالع آخذة في الانهيار (بفعل ضغوط ولدتها قوة جذب مشروع"الحضارة"الناجح التي لا تقاوم شيء؛ والقدرة على إدارة أزمة جيوسياسية بهذه الأهمية شيء آخر مخالف تماما. وفي واقع الحال، فإن فريق بوتين لم يمتلك في أي وقت مضى، البراعة في إدارة الأزمات، أو الحراسة التي تتطلبها مهمة كهذه. لذا، فإن من المرجح أنه، حين وجد نفسه أمام خيار يتسم بالمخاطرة، فضل التراجع حفاظا على سلامة الوضع الفعلي الراهن، حتى لو كان هذا على حساب تضييع فرصة انتزاع نصر"تاريخي".(35) وعلى أي حال، فإن أي أزمة تضم في ثناياها دينامياتها الذاتية التي قد لا يمكن التنبؤ بها. والكرملين، الذي كان قد عقد العزم على خنق أوكرانيا اقتصادية، ربما لم يكن متيقنا على الإطلاق من أنه سيمتلك الفرصة التي تتيح له اتخاذ خطوة حكيمة يرفع بها خناق الطاقة عن أوكرانيا
وفي حال نشوء وضع يتميز بتشديد الضغوط الاقتصادية، ونشوب صراعات سياسية مستعصية، فإن مشكلة التيارات الانفصالية في منطقة القرم، التي كان قد