ريتشارد بايبس هو الأب المؤسس المدرسة التحليل السياسي التي ترى أن النزعة التوسعية هي السمة الجوهرية التي لا رجعة عنها بالنسبة للدولة الروسية الساعية دائما وأبدا الإخضاع البلدان المجاورة لها وضمها إليها (8) . ومع أن كثيرة من الباحثين الغربيين الآخرين يعكف اليوم على تطوير وجهات نظر أكثر توازنا عن الأنماط التاريخية والمظاهر المعاصرة التي اتخذتها"الإمبريالية"الروسية، فإن التشخيص الذي خرج به بايبس صار يحظى بكثير من الشواهد والدلائل التي تسنده في الاستنتاجات والاستدلالات التي يخلص إليها باحثون متخصصون، أمثال ألكسندر دوجين وميخائيل ليونتيف من"الإمبرياليين الجدد"الموالين للكرملين (9) . فهؤلاء يعبرون عن رأي شاع على نطاق واسع يقول إن روسيا قد لا يمكنها البقاء"عضوية"إلا بشكل إمبراطورية؛ وهذا ينطوي ضمن على التحكم بصورة فاعلة بالتطور السياسي للدول المجاورة لها، والنهوض بمسؤولية حماية أمنها. وفي هذا الخصوص، أمست الطاقة تعتبر الآصرة الأكثر أهمية التي تجمع معا أوصال الإمبراطورية الروسية في حقبة ما بعد العهد السوفيتي، وتضمن لروسيا السطوة والهيمنة، وتضع في متناولها أيضا مدخولات إضافية تستطيع ترجمتها إلى جبروت و نفوذ. (10)
وثالثة سمات هذه"العظمة"المتوخاة تبدو أكثر إبهام، ويمكن اختزالها في مفهوم"الحضارة الغامض المعالم. ومن الناحية التقليدية، فإن الأفكار غير المنطقية -على رغم شيوعها إلى حد كبير - القائلة بأن لروسيا"نهجا"فريدة من نوعه خاصة بها، أو"رسالة حضارية"، إنها تنطوي على رؤى وتصورات من ثلاثة أنواع مختلفة: إثنية - قومية (الدعوة إلى روسيا الكبرى، أكثر من الدعوة إلى توحيد الشعوب السلافية) ، ودينية (المسيحية الأرثوذوكسية ولكن مع"احترام"ظاهر للإسلام) ، وبناء السلطة على أساس ترکيزها بيد الدولة الأسلوب الأبوي الاستبدادي في إدارة البلاد من حيث هو أنموذج سياسي روسي"
طبيعي)
وتتطابق هذه التصورات إلى حد بعيد مع تلك الصيغ التي وضعها دعاة الحفاظ على التقاليد القديمة: الحكم المطلق، والعقيدة الأرثوذوكسية، والشخصية الوطنية، وكما