ابتدعها الكونت سيرجي أوفاروف في فترة الثلاثينيات (11) ، والتي تحتمل طائفة عريضة من الافتراضات والتفسيرات السياسية. وتتباين الآراء اليوم حول ما إذا كانت روسيا تتخذ موقفا ملتبسة من مسألة"صدام الحضارات"، أو أن بإمكانها التراجع بعيدا عن الجبهة الأمامية للصدام المباشر بين الغرب والإسلام (12) والاتجاه العام الذي يطغى على هذا التوق الشديد إلى"العظمة"يتمثل في أن على روسيا رفض النماذج و"الوصفات"الغربية لعملية الدمقرطة؛ في حين أن هناك موقفا متطرف يروج لمنافع العزلة الذاتية التي تفرضها روسيا على نفسها داخل أسوار"روسيا القلعة". (13)
وعلى الرغم من عدم تناغم أبعاد"العظمة"الثلاثة هذه فيما بينها كليا، وهي القوة العظمى، والإمبراطورية، والحضارة، فإنها تمتزج فيما بينها في فضاء الفكر السياسي السائد الذي ينطلق من فرضية أهمية الدولة الحيوية لتحقيق مركزية"السيادة"، ولبناء بلد قوي يبعث على الفخر. ومع أن هذه المكونات قد جرى خلطها بنسب مختلفة، فإن بالإمكان تشخيص ملامح ثلاث مراحل (من خلال"توليفات"مميزة) من مسار الأيديولوجية التي تطورت إبان عهد بوتين.
التأهل إلى مركز"القوة العظمى"باستغلال مكافحة الإرهاب
استعادة"عظمة"روسيا كان أحد أبرز الشعارات الانتخابية التي أطلقها فلاديمير بوتين، رئيس الوزراء المعين حديثة والمرشح الرئاسي القليل الحظ [عام 2000] ، الذي كان قد عرض رؤاه وأفكاره، على نحو غير سوي إلى حد ما، في مقالة نشرها على موقعه الإلكتروني (14) . وقد كانت حرب الشيشان الثانية، التي شنت بقوة وتصميم اتسا بالوحشية، قد جاءت دليلا على حدوث اختراق في إقناع المجتمع الروسي بإمكانية عودة بلاده إلى سابق قوتها و مجدها، وفي إعادة بناء الثقة بالنخبة السياسية؛ بيد أن هذه الحرب لم تسهم بشيء على الإطلاق في تحسين صورة روسيا على المستوى الدولي، أو في تحديد معالم خبرات الرئيس الجديد وقدراته.