فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 355

ومن المهم التذكير هنا أن بوتين كان قد بدأ عهده من منطلق خفيض للغاية على الصعيد الدولي، وذلك مع تفاقم الآثار السلبية لعجز الدولة في آب/ أغسطس 1998 عن الوفاء بالتزاماتها ومسؤولياتها، وأكثر فأكثر بفعل تداعيات أزمة كوسوفا في ربيع العام اللاحق. ومن خلال فهم طبيعة ما جرى من أحداث، يغدو واضحا أن الهجوم الذي شنه حلف شمال الأطلسي"الناتو"على يوغسلافيا قد أقام منعطفا فاصلا على مسار تطور مفاهيم روسيا، سواء ما يتعلق منها بعلاقاتها مع الغرب، أو برؤيتها لنفسها. فعلى الرغم من أن الصدمة التي أوقعها انهيار النظام المالي في آب/ أغسطس 1998 قد أمكن التخفيف من آثارها بفضل تسع سنوات من النمو الاقتصادي القوي، فإن"الصدمة"التي أوقعتها رؤية حلف الناتو وهو يفلت تماما من أي عقاب، جراء حملات القصف المتواصلة التي شنها، قد خلقت شعور بالإقصاء وفقدان الثقة.

وعلى حين غرة، أصاب الوهن كل الركائز الثلاث التي بنيت عليها"عظمة"روسيا المتخيلة؛ فآلت إلى الرفض معارضتها القوية للتدخلات الخارجية، وهو ما عد خرقا لمكانتها بصفتها"قوة عظمى"، على الرغم من"الرسائل"التي بعث بهايلتسين"للتذكير"بقوة الردع النووية، والتي أسيء فهمها (15) . وتأكد ضعف قدرة روسيا على نشر قواتها في البلقان المنطقة ذات التاريخ الزاخر بمآثر روسيا وأعمالها"الإمبريالية"البطولية من خلال اختبار هذه القدرة عبر"مسيرة برشتينا"التي انطلقت بصورة مرتجلة (16) . كما تبين بشكل جلي غياب أي دلالات أمنية أو سياسية عن الأواصر"الحضارية"المتخيلة مع صربيا.

حالة الإذلال هذه بلغت من العمق حد جعل من الزعيم الذي انتخب لتوه، ليشغل مقعد الرئاسة مصادفة، يتحسس ثقل وطأة ضغوط تطلعات الرأي العام إلى الإتيان بمعجزة يعاد بها بناء مكانة روسيا ومقامها. وفي هذا السياق، لم تكن لتساعده كثير سمعته المحاطة بالشكوك في الغرب؛ ولم يحدث إلا في قمة لوبليانا Ljubljana في حزيران/ يونيو 2001 مع الرئيس جورج بوش الابن (الذي كان وقتئذ مايزال حديث عهد بالسلطة) أن سنحت الفرصة لبوتين ليجتاز اختبار"المواجهة وجها لوجه"برباطة جأش. (17)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت