أقول - بكرٌ: ووَجهُه أنَّ"جدَب"المقصود بها: زجَرهم ونهاهم، وعاب فعلهم، وقد خرج مخرج الذَّم، كما هو واضحٌ من معنى الجدب في اللغة، وهذا لا يكون إلا لما فيه مفسَدة، فهذا منه صلى الله عليه وآله وسلم كالتهديدِ والتوبيخ لهم، وهذا ما فَهمه ابنُ مسعود، كما هو ظاهرٌ من تفسير للجدب، والله أعلم.
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إياك والسَّمرَ بعد هَدْأة الليل [1] ؛ فإنكم لا تَدرون ما يأتي الله من خلقه ) ) [2] .
وتوجيه النهي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( إياك والسمر ) )، قال المُناوي:"ومراده النهي عن التحدُّث بعد سكون الناس، وأخذهم مضاجِعَهم" [3] .
وعن أبي بَرزة رضي الله عنه قال:"وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يَكره النوم قبلها - أي: صلاة العشاء - والحديثَ بعدها ..." [4] .
ووجه النهي واضح، وهو كراهة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له.
وعن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا سمر إلا لمصلٍّ أو مسافر ) ) [5] .
(1) هدأ يهدأ هدأً وهدوءًا: سكن، يكون في سكون الحركة والصوت وغيرهما، قال ابن هرمة:
ليت السِّباع لنا كانت مُجاورةً = وأننا لا نَرى ممن نرى أحدَا
إن السباع لتَهْدا عن فَرائسها = والناس ليس بِهادٍ شرُّهم أبدَا
والهدأة والهدوء: السكون عن الحركات؛ أي: بعدما يسكن الناس عن المشي، والاختلاف في الطرق.
انظر: النهاية (5/ 566) ، وتاج العروس من جواهر القاموس (1/ 505) ، ولسان العرب (1/ 180) ، والمعجم الوسيط (2/ 975) .
(2) أخرجه الحاكم (4/ 284) وقال:"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقال الألباني:"أقول: إنما هو حسن فقط؛ لأن ابن عجلان فيه ضعف يسير، وإنما أخرج له مسلم متابعة"؛ انظر: الصحيحة (4/ 346) رقم: (1752) .
(3) التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 816) .
(4) أخرجه البخاري رقم: (522 - 574) ، ومسلم رقم: (647) .
(5) سيأتي تخريجه فيما يُستثنى من النهي عن السمر.