أما الإسلام فهو لا يعرف هذا الإله المسكين المعزول عن الكون والإنسان، ولا يقبل الثنائية، التي عرفه الفكر المسيحي والفكر الغربي، الذي يشطر الإنسان، ويقسم الحياة بين الله تعالى وبين قيصر. فليس قيصر ندًا لله، ينازعه في ملكه، بل هو عبد الله، يخضع لحكمه، ويدين لأمره ونهيه، كم يدين كل العباد.
ب/ المسيحية ليس فيها تشريع لشئون الحياة:
ومن ناحية أخرى، لا تملك المسيحية تشريعًا مفصلًا لشئون الحياة، يضبط معاملاتها، وينظم علاقاتها، ويضع الأصول والموازين القسط لتصرفاتها. إنما هي روحانيات وأخلاق، تضمنتها مواعظ الإنجيل، وكلمات المسيح فيه. على خلاف الإسلام، الذي جاء عقيدة وشريعة، ووضع الأصول لحياة الإنسان من المهد إلى اللحد."ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين" [النحل: 89] .
ج/ ليس للإسلام سلطة دينية بابوية:
فهناك سلطتان بالفعل في المسيحية: السلطة الدينية، ويمثلها البابا، ورجال"الإكليروس". والسلطة الدنيوية، ويمثلها الملك أو رئيس الجمهورية، ورجال حكومته، وأعوان سلطته.
فإذا انفصلت الدولة عن الدين هناك، بقى الدين قائمًا، في ظل سلطته القوية الغنية المتمكنة، وبقيت جيوشها"من الرهبان والراهبات والمبشرين والمبشرات"تعمل في مجالاتها المختلفة، دون أن يكون للدولة عليه سلطان. بخلاف ما لو فعلت ذلك دولة إسلامية، فإن النتيجة أن يبقى الدين بغير سلطان يؤيده، ولا قوة تسنده، حيث لا بابوية له ولا كهنوت ولا"إكليروس".
د/ تاريخ الكنيسة غير تاريخ الإسلام:
إن تاريخ الكنيسة نفسه مع العلم والفكر والحرية، تاريخ مخوف، فقد وقفت الكنيسة مع الجهل ضد العلم، ومع الخرافة ضد الفكر، ومع الاستبداد ضد الحرية، ومع الملوك والإقطاعيين ضد الشعب، حنى ثارت الجماهير عليها، وتحرروا من الحكم المباشر لرجالها، واعتبروا عزل الدين عن الدولة، كسبًا للشعوب ضد جلاديها.