لقد كان الدين ممتزجًا بالحياة كلها، امتزاج الروح بالجسم، فلا يوجد شيء منفصل اسمه الروح، ولا شيء منفصل اسمه الجسد، وكذلك كان الدين والعلم، أو الدين والدنيا، أو الدين والدولة في الإسلام.
إن العلِمانية"بضاعة غريبة"لم تنبت في أرضنا، ولا تستقيم مع عقائدنا ومسلماتنا الفكرية. [1]
مبررات ظهور العلمانية في الغرب المسيحي
لقد كان لظهور العِلمانية في الغرب مبرراتها الدينية، والفكرية، والنفسية، والتاريخية، والواقعية. وهي مبررات خاصة بالعالم الغربي، لا يجوز للعالم الإسلامي أن يقلده فيها:
أ/ المسيحية تقبل قسمة الحياة بين الله وبين قيصر:
المسيحية - نفسها - تحتوي من النصوص ما يؤيد فكرة العِلمانية، أي الفصل بين الدين والدولة، أو بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية.
أجل، تعترف المسيحية بهذه الثنائية للحياة، بحيث تقسمها قسمين:
أحدهما: لقيصر وهو الجانب، الذي يخضع للسلطة الزمنية، سلطة الدولة.
والثاني: لله، وهو الجانب الذي يخضع للسلطة الروحية، سلطة الكنيسة.
وهذا واضح في قول المسيح (عليه السلام) ، كما يرويه الإنجيل:"أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"!
ويسند هذا من تاريخ الفكر الغربي، أنه لم يعرف الله، الذي نعرفه نحن المسلمين، محيطًا بكل شيء، مدبرًا لكل أمر، لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عن علمه ذرة، في السماوات ولا في الأرض، وسع كل شيء، رحمة وعلمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وجعل لكل شيء قدرًا، بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق، ليحكموا بين الناس، فيما اختلفوا فيه.
إنما إله الفكر الغربي إله آخر، مثل إله"أرسطوا"، الذي لا يعلم شيئًا غير ذاته، ولا يدري عما في الكون شيئًا، ولا يدبر فيه أمرًا، ولا يحرك ساكنًا، فهو - كما قال مؤرخ الحضارة والفلسفة،"ول. ديورانت": إله مسكين، أشبه بملك الإنجليز، يملك ولا يحكم!
(1) - الإسلام والعلمانية وجهًا لوجه د/ يوسف القرضاوي.