لقد كان لظهور العلمانية في الغرب المسيحي الدور الأساسي في ظهور الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي، بل هذا هو التاريخ الحقيقي لفصل الدين عن كل مظاهر الحياة.
والعلمانية كلمة حديثة الاستعمال في لغتنا العربية، شأنها شأن كثير من الكلمات، التي أصبحت مصطلحات أو لها قوة المصطلحات في عصرنا، و"الياء"المشددة فيها للنسب، والألف والنون زائدتان.
وهناك من ينطقونها بكسر العين"العِلْمانية"، نسبة إلى"العِلْم"بكسر، فسكون وهذا هو الأشهر، ومن ينطقونها بالفتح"العَلْمانية"نسبة إلى"العَلمْ"بفتح، فسكون، بمعنى"العالَم"، أي الدنيا، وعليه جرى"المعجم الوسيط"، الذي أصدره مجمع اللغة العربية.
والكلمة - على كل حال كسرت عينها أو فتحت - مترجمة عن اللغات الأوربية. وكان يمكن أن تترجم بلفظ"لا دينية"؛ لأن معنى الكلمة الأجنبية ما ليس بديني، وكل ما ليس بديني، هو لا ديني، ولكن اختيرت كلمة"عِلماني"أو"مدني"؛ لأنها أقل إثارة من كلمة"لا ديني".
وكما أن لفظ الكلمة دخيل على معاجمنا العربية، فإن معناها ومدلولها، سواء أكانت بكسر العين أو بفتحها، ما يقابل"الدين". فالعِلماني ما ليس بديني، ومقابله الديني، أو الكهنوتي، وكأن مدلول"العِلمانية"، المتفق عليه يعني: عزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع، وإبقاءه حبيسًا في ضمير الفرد، لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه، فإن سمح له بالتعبير عن نفسه، ففي الشعائر التعبدية، والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة، ونحوها.
وهذا المعنى غير معروف في تراثنا الإسلامي، فتقسيم شئون الحياة إلى ما هو ديني، وما هو غير ديني، تقسيم غير إسلامي، بل هو تقسيم مستورد، مأخوذ من الغرب النصراني. وما نراه اليوم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية من تقسيمات للحياة، والناس، وللمؤسسات، إلى ديني، وغير ديني، ليس من الإسلام في شيء.
لم يكن في الإسلام - كما في عصورنا الأخيرة إلى اليوم - تعليم ديني، وتعليم غير ديني، ولم يكن في الإسلام أناس يسمون رجال دين، وآخرون يسمون رجال العلم أوالسياسة أو الدنيا، ولم يعرف الإسلام سلطتين: إحداهما دينية، والأخرى زمنية أو دنيوية، ولم يعرف في تراث الإسلام دين لا سياسة فيه، ولا سياسة لا دين لها.