فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 172

وأكثرهم الفاسقون" [1] ، وحين تحدث عن معاملاتهم بدأ بالإيجابي وهو من"إن تأمنه بقنطار يؤده إليك" [2] وبعدها ذكر الفريق الثاني الذي لا يحافظ على الأمانة وهو من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا رغم أنه الفريق الأكثر عددًا."

بالعودة إلى منهج القرآن في التعامل مع حادثة الإفك، وهي قضية حساسة نواجه مثلها كثيرًا في حياتنا، فحين نتأمل سورة النور نجد أن معالجة القرآن تركزت في المقام الأول على تفاعل الناس مع الإشاعة وليس على مضمون الإشاعة فلم يكن الجزء الأكبر من المعالجة القرآنية هو نفي وقوع الحادثة ونحن نعلم يقينًا أنها إفك وافتراء على أمنا الطاهرة المطهرة بنت الصديق رضي الله عنها. لكن أولوية القرآن كانت هي تحذير الناس من مجرد الخوض في مثل هذه الشائعات مستقبلًا:"إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم" [3] ،"يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ً" [4] . وذلك لأن إشاعة الحديث عن الفاحشة هو أخطر من الفاحشة ذاتها على افتراض أنها وقعت، فلو ضعفت نفس إنسان وعصى الله في السر فإنه يبوء بإثمه لوحده بينما تبقى الصورة العامة للمجتمع ناصعةً مشرقةً باعثةً للأمل، أما تلقي الناس لمثل هذه الأحاديث بألسنتهم وتداولها في مجالسهم فإن ضرره يطال المجتمع بأسره وذلك لأنه يهيئ الأجواء للمزيد من الانحرافات، إذ تتعزز الأخيلة والخواطر المريضة التي تزين لصاحبها البحث عن الحرام، كما أن هذا الحديث يعدم ثقة الناس بعضهم ببعض، ويعزز الريبة والشك ويقتل مشاعر الحب والخير في نفوسهم، مما يؤدي بالمجتمع إلى الهلاك.

إن الإسلام يريد أن يطهر قلوبنا من التصورات السلبية والأخيلة المريضة، وألا يكون تفكير الناس نحو أرجلهم بل تنصرف همتهم إلى معالي الأمور وأن يشغلوا أنفسهم بالعمل الإيجابي المثمر الذي يجلب لهم خير الدنيا والآخرة وسعادتهما ..

إن الناس اليوم بحاجة إلى من يبث في نفوسهم الأمل وييسر لهم طريق الخير بتعزيز استحضار النماذج المشرقة حتى يتخذونها أسوةً تبلغهم الطريق، أما فقه (زمن الفتن) فإنه لن يساهم في أي

(1) - آل عمران: 110

(2) - آل عمران: 75

(3) - النور: 15

(4) - النور: 17

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت