إن الدعوة تكون من خلال العناصر المشتركة المتفق عليها؛ ليبنى عليها فيما بعد؛ لذا نجد أن القرآن الكريم في دعوته لعقيدة التوحيد لم يتحدث عن إثبات وجود الخالق؛ لأن هذه المعرفة أمر جبلي فطري لدى جميع الخلق، فنجده قد خاطبهم بما هو متقرر عندهم {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61] .
ووجود بعض من ينكر وجود الخالق الذين حكى الله قولهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] .
هؤلاء ما إنكارهم إلا من قبيل المكابرة والعناد {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] .
إن العمل من خلال هذه الأرضية المشتركة وتفعيلها عند الدعوة لدفع المدعو نحو الإقرار بوجود الخالق وربوبيته، سيستلزم منه الخضوع لمقتضياته ونتائجه اللازمة المرتبطة به وهو توحيد الألوهية قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .
قال محمد رشيد رضا - رحمه الله: (هذه الآية أساس الدين وأصله الأصيل؛ ولذلك كان يدعو بها أهل الكتاب إلى الإسلام كما ثبت، إلى هرقل والمقوقس) [1] .
(1) تفسير القرآن: (3/ 327) .