الصفحة 35 من 39

حتى إذا فرغ عتبة قال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"أفرغت يا أبا الوليد؟"قال: نعم. قال:"اسمع منى"قال: أفعل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 1 - 3] .

فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها، فلما سمع بها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدًا عليهما ليسمع منه؛ حتى انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة فسجدها ثم قال:"سمعت يا أبا الوليد؟"قال: سمعت، قال:"فأنت وذاك".

ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنت أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم [1] .

يعلمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا احترام الخصم، وإن كان كافرًا، واحترام حواره، فنبينا - صلى الله عليه وسلم - أنصت لهذا الكافر، واستمع لحجته وتركه يُفرغ ما لديه، فقال له:"يا أبا الوليد أسمع".

ثم ظهر من أدبه في حواره أن أكد على الخصم بأسلوب واضح مؤدب:"أفرغت يا أبا الوليد؟"ثم طلب من الخصم العدل، فهو كما أنصت حتى انتهى من إيراد شبهه؛ طلب المعاملة بالمثل، فقال:"اسمع منى".

ثم قابل النبي - صلى الله عليه وسلم - أسلوب الخصم بأسلوب مدهش، فقابل دليله بدليل خارج السياق الذي أتى به الخصم، فلم ينجر للجواب عن أسئلته، بل أخذ الخصم لساحة

(1) ابن كثير: السيرة النبوية: (1/ 503 - 505) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت