مفاهيم الدين بين الوحي والتصور الإنساني
من خلال
(كتاب الخزري ليهودا اللاوي)
إن القارئ لصفحات التاريخ التي وصفت أوضاع المجتمع الأندلسي بعد الفتح الإسلامي لن يفاجأ عندما يعلم أن العرب الفاتحين قد أحسنوا معاملة أهل الذمة من اليهود والنصارى، إذ نالت طوائفهم حريتها كاملة غير منقوصة [1] وتحرروا من القيود التي كانت فرضت عليهم في أحوالهم الدينية والاجتماعية والشخصية، والاقتصادية. [2] واستردوا أملاكهم التي صودرت منهم، وكرامتهم التي كانت أهدرت، فكان من الطبيعي أن ينظر هؤلاء وأولئك بارتياح إلى الدين الإسلامي الذي يحمله العرب الفاتحون [3]
وفى ظل هذا التسامح وتحت لواء الإسلام عاش اليهود جنبًا إلي جنب مع المسلمين الفاتحين، فنعموا بخيرات هذا الفتح المبين، وأخذ عددهم يتضاعف، وصار بمقدورهم أن يتنقلوا من مدينة أندلسية إلى أخري، بعد أن تم تحديد إقامتهم في مدن بعينها على يد حكام شبه الجزيرة الأيبيرية (أسبانيا) في الماضي [4] ، وهذا ما دعى اليهود إلى الخروج من عزلتهم التي دأبوا عليها حال مجاورتهم لغيرهم من الشعوب، فأنتجوا كثيرا من المؤلفات تحاكي المؤلفات العربية، متخذين من المنهج الإسلامي سبيلا
(1) - محمد كرد علي: غابر الأندلس وحاضرها، المطبعة الرحمانية بمصر، 1923، ص 38
(2) - د. لطفي عبد البديع: الإسلام في أسبانيا، مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة، 1958، ص 33