فهرس الكتاب
ولكن التدخل في البلقان في الجنوب الشرقي من أوروبا، وعلى الرغم من الصعوبة التي انطوى عليها، كان أبسط بكثير من غزو العراق، البلد العربي الرئيس في الشرق الأوسط الذي رزح تحت نير سيطرة دكتاتورية شديدة وقاسية طيلة خمسة وثلاثين عاما، ومن ثم الشروع في تدمير كل مؤسساته وخلق فراغ مائل، وكل ذلك انطلاقا من الفرضية التي لخصها أحد المسؤولين في الولايات المتحدة بقوله: «إن الديمقراطية الجيفرسونية» ستبرعم في العراق بين عشية وضحاها.
وتعزز موقف رامسفيلد من قبل القائد الأميركي تومي فرانكس الذي أوضح أن عزمه كان منعقد على تخفيض مستويات القوات الأميركية بأسرع ما يمكن عقب تحقيق النصر المبدئي، وتلقى بعض المدافعين عن هذا الموقف من داخل إدارة الرئيس بوش دفعا إضافيا نابعة من اعتقادهم بأن الحرب لن تكون صعبة - أي إن الأمور ستفضي إلى تحقيق انصر خاطف» يتبعه انسحاب سريع ثم انبثاق لديمقراطية عراقية جديدة. ومع هيمنة عقلية من هذا القبيل على المشهد، لم يعد الأمر يتطلب تكريس مزيد من الفكر من أجل التخطيط لما يحتمل أن يحدث بعد الحرب (10)
وكذلك لم يكرس كثير من الفكر للميزانية التي تتطلبها هذه الحرب، لأنه من المؤكد أن الحرب السريعة الخاطفة ستكون متدنية الكلفة. ووفقا لما تبين في نهاية المطاف، لم تكن الحرب سريعة، وتجاوزت النفقات المالية المباشرة للاحتلال الذي أعقب الغزو عتبة التريليون دولار.
ليس الأمر بمنتهى السهولة
أطلقت بعض الأصوات داخل أروقة حكومة الولايات المتحدة وفي الدوائر المقربة منها تحذيرة قوية، وبادرت أوساط الاستخبارات إلى وضع تحليل للتحديات المبدئية التي يمكن أن تواجهها أي سلطة في عراق مابعد الحرب. وكان بين الاستنتاجات الأساسية الآتي: ليس العراق «أرضا خصبة للديمقراطية» . وأي تحول في العراق سوف يكون طويلا وصعبة ومضطربة». واستشعر محللو أوساط المخابرات وجود «رياح عاتية تهب باستمرار، لكن ليس في اتجاههم.