روسيا جديدة، ولا يوجد أحد في قمرة القيادة
في الأول من يناير/ كانون الثاني من عام 1992، أصبحت روسيا دولة مستقلة؛ دولة كبيرة جدا تمتد عبر إحدى عشرة منطقة زمنية. وتفكك اقتصاد الاتحاد السوفياتي الاشتراكي المخطط مرکزيا حيث كان كل تدبير، تقريبا، متخذ في الاقتصاد بأكمله نتاجا لقرارات بيروقراطية؛ تفكك هذا الاقتصاد خلفا وراءه فوضى اقتصادية وغموضا والتباسا. ولم يكن ثمة احتكام القانون تجاري ولا أساس تبرم وفقا له العقود ولا قنوات وطيدة تمر عبرها التجارة أو قواعد تقوم عليها. وأضحت المقايضة هي النظام المتبع ليس فقط لدى التجار حديثي النشأة والتجار والباعة المتجولين في الشوارع أو أولئك العاملين خارج أماكن سكناهم، بل أيضا للمصانع التي تتاجر بالسلع والبضائع والمنتجات أخذ وعطاء کا لو كانت جميعها عملات. وكانت أيضا (المقايضة) تدافعة مجنونة متاحة لجميع الناس، إذ إن معظم أصول الدولة التجارية وأصول الشعب السوفياتي أيضا باتت خاضعة لعمليات المبادلات الحرة. لقد كان وقتا مخيفا للجماهير وزمنا ينطوي على مشقات کبري: فمعاشات الناس ومرتباتهم، إن هي دفعت، أمست فاقدة لقيمتها، وحتى الأمن الاقتصادي الذي كان منخفض المستوى لكن مضمونا في الوقت ذاته والذي كان المواطنون يعولون عليه أخذ يتلاشى أمام أعين الناس.
كذلك كان الوضع مخيفة بالنسبة للإصلاحيين الشباب الذين تولوا زمام السلطة تحت قيادة الرئيس الروسي بوريس يلتسن. وقال غايدار الذي كان أول من شغل منصب وزير مالية في عهد يلتسن: «قوة نووية عظمى باتت في كنف فوضى سياسية واجتماعية عارمة. لم يكن لدينا أموال ولا ذهب ولا حبوب تكفي حتى موعد الحصاد القادم. ولم تكن ثمة طريقة تعيننا على إيجاد حلول لكل هذه المشكلات. كان الأمر شبيها بالسفر على متن طائرة إن كنت أحد ركابها وذهبت إلى قمرة القيادة وهي تطير في السماء فسوف تكتشف أنه لا يوجد أحد هناك يقودها ويتحكم فيها» . ولم يكن في وسع الإصلاحيين حتى الدخول على أجهزة الكومبيوتر الحكومية لأن كلمات المرور فقدت إبان انهيار الدولة.